منتديات القلمونة
بقلوب ملؤها المحبة
وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لكِ أهلا وسهلا
اهلا بكِ بقلوبنا قبل حروفنا
بكل سعادة وبكل عزة


منتديات القلمونة

منتـــــديات القلمونة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الموسوعة السياسية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:28 am

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

- السياسة، تعريف عام


السياسة هي الإجراءات و الطرق التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات من أجل المجموعات و المجتمعات البشرية . و مع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول و أمور الحكومات فإن كلمة سياسة يمكن أن تستخدم أيضا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة و قيادتها و معرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة و التفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد ، بما في ذلك التجمعات الدينية و الأكاديميات و المنظمات
المفكر الايطالي نيكولو ماكيافيللي
رأى ماكيافيللي أن السياسة تنطوي على الألاعيب والأحابيل والغش والخداع والمراءاة بوصفها وسائل لتحقيق الهدف. ويرى غربيون من مفكرين وسياسيين أن الغاية تبرر الواسطة أو الوسيلة. هي فن الوصول الي السلطة وزيادتها والمحافظة عليها بغض النظر عن الوسائل التي تستخدم في تحقيق ذالك
اما تعريف البروفسير هارولد لازويل
هي دراسة النفوذوالنافذين او بمعني اخر هي دراسة من يتحصل علي ماذا ومتي وكيف
البروفسير برنارد كراك
السياسة في احسن حالاتها هي نشاط اخلاقي للتوفيق بين الخلافات الاجتماعية والاقتصادية ولبناء حكم المجتمع بدون فوضي
البروفسير ديفيد يستون
السياسة هي التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع
البروفسير هانس مورقنتو
السياسة هي الصراع من اجل القوة والتأثير
والقوة بالنسبة له تعني العلاقة النفسية بين الذين يمارسونها والذين تمارس عليهم وان الهدف الاساسي للقوة هو تحقيق المصلحة العليا للدولة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

كاتب الموضوعرسالة
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:56 am

الجوهر الليبرالي: فردانية القيم والتصورات


الليبرالية بدرجة كبيرة هي أيديلوجية الغرب الصناعي، والمفاهيم الليبرالية تبدو غير منفصلة عن الحضارة الغربية على الوجه العام.
وقد تم تصوير الليبرالية مؤخرا في كتابات أنصارها بأنها ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية Meta-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، وذلك يبين أن الليبرالية تعطي الأولوية لما يوصف بـ"الحق الفردي" على ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد أنصارها أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في نظرهم في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:
الفرد - الحرية - العقل - العدالة - التسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:57 am

مركزية الفرد


يعتبر مفهوم الفرد في العالم الحديث مفهوما مستقرا لدرجة أن أهميته السياسية تؤخذ أحيانا كإحدى المُسَلمات، فالليبرالية طورت ما كان عليه المفهوم في الحقبة الإقطاعية، حيث ساد إدراك للفرد باعتباره ليس لديه مصالح خاصة به أو هوية متفردة، فكان ينظر إلى الناس باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ينتمون إليها كالأسرة والقرية والمجتمع المحلي أو الطبقة الاجتماعية، فحياتهم وهويتهم كانت تتحدد
بدرجة كبيرة بحسب صفات تلك المجموعات، وذلك في عملية تغير طفيف من جيل إلى آخر، وعندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق لذلك فهو أهم من أي جماعة اجتماعية. ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد، فهي غايات في حد ذاتها وليست طرقا لتحقيق أهداف الآخرين.
ويعتبر مبدأ أولوية الفرد على الجماعة الخط الرئيسي للفكر الليبرالي، حيث دفع بعض الليبراليين إلى تعريف المجتمع باعتباره "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته". ويطلق على هذا الرأي المذهب "الذري"، حيث ينظر للأفراد كـ"ذرات متنافرة" بداخل المجتمع، ويؤدي هذا التفكير إلى أن استنتاج أن المجتمع نفسه غير موجود، بل هو "متخيل" فهو مجموعة من الأفراد المكتفين ذاتيا. وتقوم هذه الفردية المتطرفة على الافتراض بأن الفرد يتمركز حول الـ"أنا" فهو أساسا أناني ومعتمد على نفسه بدرجة كبيرة. ويصف ماكفيرسون Macpherson الليبرالية الأولى بأنها "فردية مِلكية"، فالفرد هو المالك، ويمتلك نفسه وقدراته الخاصة به وهو لا يدين بها للمجتمع. وقد تطورت هذه الرؤية وصار لليبراليين فيما بعد رأي آخر أكثر تفاؤلا بشأن طبيعة الإنسان يؤمن بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة.
إن أهمية الفرد في مذهب الفردية تفوق أي جماعة اجتماعية أو كيان جماعي؛ فمن الناحية المنهجية لمذهب الليبرالية يكون الفرد مركز النظرية السياسية والتفسير الاجتماعي؛ فكل حديث عن المجتمع لا بد أن يكون من منطلق الأفراد الذين يشكلونه. وفي المقابل تقول الفردية الأخلاقية بأن المجتمع يجب أن يخدم الفرد، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين الجديد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:57 am

الحرية


من الطبيعي أن يؤدي الاهتمام الشديد بالفرد إلى المسئولية تجاه حريته. ويعتبر الليبراليون حرية الفرد القيمة السياسية العليا، فهي المبدأ الموحِد الجامع في الفكر الليبرالي الحر. وكانت الحرية لدى الليبراليون الأوائل حقا طبيعيا لازما للوجود الإنساني، فهي تعطي الأفراد الفرصة لتحقيق مصالحهم وممارسة حق الاختيار مثل اختيار السكن والعمل... إلخ، ورأى الليبراليون فيما بعد أن الحرية هي الشرط الوحيد الذي يمكن للأفراد من خلاله تنمية قدراتهم.
وبالرغم من ذلك لا يقبل الكثير من الليبراليين بالحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويذهب ميل من الدفاع عن الحرية درجة رفض أي قيود على الفرد قد يتم تقنينها لمنعه من تدمير نفسه جسمانيا أو أخلاقيا، فهذا الأسلوب من التفكير يرفض القوانين التي تجبر سائقي العربات على ربط حزام الأمان أو سائقي الدرجات البخارية ارتداء الخوذة، ويساويها تماما بالرقابة التي تمنع الأفراد من القراءة أو الاستماع إلى رأي ما. بل ويدافع أصحاب الفكر التحرري المتطرف عن حق الفرد في فعل ما يشاء بما في ذلك تناول المخدرات(!)
وفي حين نجد أن الليبراليين يتفقون على قيمة الحرية فإنهم يختلفون في دلالات هذه الحرية في وعي الفرد. ففي كتابه "مفهومان للحرية" فرق أيزيا برلين Isaiah Berlin بين النظرية السلبية والنظرية الإيجابية للحرية. وقد كان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون أن الحرية هي قدرة الشخص على التصرف بالشكل الذي يختاره، وكان هذا المفهوم للحرية مفهوما سلبيا، حيث إنه قائم على غياب القيود الخارجية على الفرد. وفي المقابل يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف برلين هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا. وتعني الحرية في فكر جون ستيورت ميلا أكثر من مجرد التحرر من القيود الخارجية؛ فهي قدرة الأفراد على التطور. وفي النهاية تحقيق الذات بما يتفق مع رغباتهم. وتلك المفاهيم المختلفة بل والمتعارضة للحرية أثارت الجدل الأكاديمي داخل المذهب الليبرالي فتبنى الليبراليون آراء مختلفة، بالتالي حول العلاقة المنشودة بين الفرد والدولة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:57 am

العقل


وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:58 am

العدالة


ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:58 am

التسامح


تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعي بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:59 am

الليبرالية والإسلام



الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد : فهذه تلخيصات حول الليبرالية سميتها : الفكر الليبرالي نشأته وأساطينه وفكره وحكم الله فيه أسأل الله أن ينفع به .

1- الليبرالية هي : مذهب رأسمالي (التعليق : المذهب الرأسمالي مذهب إقتصادي غربي باطل والإقتصاد الإسلامي هو المذهب الصحيح في الإقتصاد ).
2- المنطلق الرئيس في الفلسفة الليبرالية هو أن الفرد هو الأساس، بصفته الكائن الملموس للإنسان، بعيداً عن التجريدات والتنظيرات، ومن هذا الفرد وحوله تدور فلسفة الحياة برمتها، وتنبع القيم التي تحدد الفكر والسلوك معاً ويقولون أيضا : الإنسان يخرج إلى هذه الحياة فرداً حراً له الحق في الحياة أولاً.ومن حق الحياة والحرية هذا تنبع بقية الحقوق المرتبطة . (التعليق : لاينفك لإنسان عن عقيدته التي يعتقدها وهي الإسلام وكذا أخلاق الإسلام وأما أن نقول : إن الإنسان فرد مجرد عن العقيدة والسلوك فكلام باطل بل هو كفر بالله العلي العظيم ) .
3- الليبرالية شرعها أصحابها فحين عرفها جان جاك رسو قال : "الحرية الحقة ( الحرية الخُلقية كما يسميها) هي أن نطيع القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا". من بحث في النت .
4- حقوق الليبرالي : حق الاختيار، بمعنى حق الحياة كما يشاء الفرد، لا كما يُشاء لهوحق التعبير عن الذات بمختلف الوسائل ، وباختصار لتلك الحقوق يقولون : الليبرالية لا تعني أكثر من حق الفرد ـ الإنسان أن يحيا حراً كامل الاختيار في عالم الشهادة. (التعليق : ليس له حق الإختيار لغير الإسلام لقوله تعالى : {إن الدين عند الله الإسلام } وقوله : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } وهو عبد مكلف من الله والحقوق تفرض عليه من شريعته وهي شريعة الإسلام –أي من خالقه - وليس من العبيد ) .
5- وحق البحث عن معنى الحياة وفق قناعاته لا وفق ما يُملى أو يُفرض عليه.
6- العالمية اليبرالية هي اتحاد عالمي تأسس سنة 1947 تحت اسم اتحاد الأحزاب التحررية العالمي و يتكون من أحزاب ليبرالية (أو تحررية) و أحزاب اجتماعية تحررية. يقع مقر العالمية الليبرالية في لندن . (التعليق : كلها أحزاب كافرة لاتمت للإسلام بأي علاقة )
7- الليبرالية (liberalism) اشتقت كلمة ليبرالية من ليبر liber وهي كلمة لاتينية تعني الحر . وحجر الزاوية في الفلسفة الليبرالية أمران هما: الحرية والاختيار . (التعليق : الحرية والإختيار كلاهما في ضوء شريعة الإسلام وليس للعبد حرية مطلقة كما يزعم الليبراليون )
8- نشأت في أوروبا ضد اضطهاد الكنيسة الديني في القرن التاسع عشر الميلادي وبالأخص في انجلترا وفرنسا وقامت ضدها : الثورة الفرنسية 1789م والتي تمثلت فيها دعاوى الحرية والمساواة -ظاهرا – لكن كان الثوار يطالبون بفصل الدين على الدولة لتكون علمانية ومن هنا نشأت العلمانية ثم الفكر الليبرالي . (التعليق : إذا هي كافرة ونشأت في بيئة كافرة فكيف تصلح تلك البذرة الخبيثة أن تعيش في بلاد المسلمين ؟ وحق لتلك الثورات أن تقوم ضد اضطهاد الكنيسة لأنها تحكم بحكم العبيد لابحكم رب العبيد فالظلم والبغي كلها حاصل عندهم أما في الإسلام فلا شيء من ذلك فلايحتاج أهله إلى أن يستوردوا أفكارا ليبرالية أو علمانية أو غيرهما فالدين كامل وشامل والحمد لله رب العالمين ) .
9- من رؤوسها : جون لوك ديموقراطي النزعة، ولكن ذلك أيضاً كان نابعاً من حق الحرية والاختيار الأولي.
10- وبنثام كان نفعي النزعة، ولكن ذلك كان نابعاً أيضاً من قراءته لدوافع السلوك الإنساني (الفردي) الأولى، وكانت الحرية والاختيار هي النتيجة في النهاية.
وفردريك باستيا (Frédéric Bastiat) ولد عام 1801م، هو منظر ليبرالي كلاسيكيواقتصاديسياسيفرنسي، من أنصار المذهب الحر في الإقتصاد ، ومن أهم مؤلفاته كتاب (المتناسقات الاقتصادية)، وقد بين فيه أن مصالح الطبقات الاجتماعية تتفق مع بعضها البعض، وقال بأن الدولة لا تصلح للأعمال الاقتصادية ويجب أن تقتصر مهمتها على المحافظة على الأمن الداخلي والدفاع عن سلامة مواطنيها في حالة تعرضها لاعتداء خارجي. وهو كأي ليبرالي كلاسيكي، لا يثق في الحكومات بشكل مطلق، وعمل في حياته على إثبات نقطته هذه.وعارض نظرية دافيد ريكاردو في الريع وحاول أن يعلل دخل المالك العقاري بقدر الخدمة التي يؤديها.توفي فردريك باستيا عام 1850م.
وفريدريخ هايك (Friedrich August von Hayek) أو فريدريخ أوغوست فون هايك (8 مايو1899 في فيينا - 23 مارس1992 في فريبورغ)، كان اقتصادي ومنظر سياسي نمساوي بريطاني، عرف لدفاعه عن الليبرالية الكلاسيكيةوالرأسمالية القائمة على أساس السوق الحر ونقده للفكر الاشتراكيوالجماعي (collectivist) خلال أواسط القرن العشرين. يعد هايك أحد أهم اقتصاديي القرن الماضي، وأكثر أعضاء المدرسة النمساوية للاقتصاد تأثيرا. حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974 م مناصفة مع منافسه الأيديولوجي، جونار ميردال لعملهما في مجال نظرية المالوالدورة الاقتصادية ومجالات أخرى. قلد وسام الحرية الرئاسي عام 1991 م. يعد أحد أهم الشخصيات وراء التحول من السياسات لكينيزية (Keynesian) والتدخلية (interventionist) والتي كانت منتشرة في مطلع القرن العشرين، نحو سياسات تعتبر السوق الحر هو المرجع وتنبذ فكرة تدخل الدولة فيه (سياسات نيوليبرالية).
10-شعارها : تنادي الليبرالية : بالحرية المطلقة للفرد في السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات والفلسفة السياسية عندهم تعني : تلك الفلسفة التي تقوم على استقلال الفرد والتزام الحريات الشخصية وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية والإصلاحات الاجتماعية.. والفلسفة الإقتصادية تعني تلك النظرية التي تؤكد على الحرية الفردية الكاملة وتقوم على المنافسة الحرة واعتماد قاعدة الذهب في إصدار النقود..أهم شعار في الليبرالية هو: دعه يعمل دعه يمر . ويسمى الليبراليون بالحرييين فقد ارتبطت الليبرالية بالحرية الإقتصادية(التعليق : لابد من ربط الحرية بقيد الشريعة الإسلامية سواء في السياسة أو الإقتصاد أو الإجتماع أو السلوك وكل جوانب الحياة وإلا فهي حرية باطلة لاتجوز فالإنسان عبد الله تعالى قال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56).
11-تنادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله ، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهبوأفعاله ، شرط المعاملة بالمثل . (التعليق : يقبل قول الآخر بشرط لايعارض الشريعة ويكون في أمر يجوز الإجتهاد فيه وأما مايعارض الشريعة فباطل مردود على صاحبه ).
12-اليبرالية من جهة التوجه نوعان : ليبرالية سياسية تقوم على : التعدديةالإيدلوجية والتنظيمية الحزبية.(التعليق : لايوجد في الإسلامية تعددية أيدلوجية وحزبية وكلها من التفرق الذي ذمته النصوص الشرعية قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159)
13-والنوع الثاني : ليبرالية فكرية تقوم على : حرية الاعتقاد ؛ أيحرية الإلحاد ، وحرية السلوك ؛ أي حرية الدعارة والفجور .
14-الليبرالية من حيث أصولها ومنشئها نوعان : ليبرالية كلاسيكية –وهي القديمة - ويسميها بعضهم اليوم بالمحافظين –زعموا- وتهتم بالسياسة وترى تنحية تدخل الدولة مطلقا . (التعليق : الدولة لها تدخل ولابد من السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف لا في المعصية والبيعة لهم واجبة )
15-والنوع الثاني الليبرالية العصرية : ترى تدخل الدولة لحماية الحريات والإهتمام من قبل الدولة بالإقتصاد .
16-هدفها الظاهر : تهدف –زعمت -لتحرير الانسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية والاقتصادية والثقافية) (التعليق : الشريعة الإسلامية هي من تقيد الإنسان لاالأفراد ولامناهجهم الأرضية
17-التلون حسب المجتمعات : تتحرك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها (و)تتكيف حسب ظروف كل مجتمع، وتختلف من مجتمع غربي متحرر إلى مجتمع شرقي محافظ. (التعليق : هي على هذا متلونة فإن كان المجتمع صالحا أبانوا جوانب صلاحهم ظاهرا وقد يخفوا جوانب باطلهم أو يكنوا عنه إلا عند التمكن ، وإن كان سيئا أبانوا حقيقة أمرهم على الملأ .
18-منهجها في السلوك : الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته الخاصة من الحقوق والحريات، ولكنها صارمة خارج ذلك الإطار. أن تكون متفسخاً أخلاقياً، فهذا شأنك. ولكن، أن تؤذي بتفسخك الأخلاقي الآخرين، بأن تثمل وتقود السيارة، أو تعتدي على فتاة في الشارع مثلاً، فذاك لا يعود شأنك. (التعليق : نقول : فلو زنى أوسرق وفعل الكبائر فعندهم لاحرج بشرط لاتتعدى على الآخرين وطبعا لو كان عن رضى وليس تعدي فلاحرج أيضا)
19-علاقتها بالدين والتدين : أن تكون متدينا أو ملحداً فهذا شأنك . (التعليق : نقول : ترك الدين كفر ونقول لهم : وأين قول الله تعالى : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } ؟
20-المرجعية : الليبرالية لا تعترف بمرجعية ليبرالية مقدسة؛ لأنها لو قدست أحد رموزها إلى درجة أن يتحدث بلسانها، أو قدست أحد كتبها إلى درجة أن تعتبره المعبر الوحيد أو الأساسي عنها، لم تصبح ليبرالية، ولأصبحت مذهبا من المذاهب المنغلقة على نفسهاومرجعية الليبرالية هي في هذا الفضاء الواسع من القيم التي تتمحور حول الإنسان، وحرية الإنسان، وكرامة الإنسان، وفردانية الإنسان. الليبرالية تتعدد بتعدد الليبراليين. وكل ليبرالي فهو مرجع ليبراليته. وتاريخ الليبرالية المشحون بالتجارب الليبرالية المتنوعة، والنتاج الثقافي المتمحور حول قيم الليبرالية، كلها مراجع ليبرالية. لكن أيا منها، ليس مرجعا ملزما، ومتى ألزم أو حاول الإلزام، سقط من سجل التراث الليبرالي. (التعليق : الليبرالية على هذا فوضوية ضالة لامرجعية لها ولاكتب تهتم بشأنها وباختصار هي –إن صح التعبير - جسم لاروح له تغذي الجسم ولاتغذي الروح ) .ومرجع أهل الإسلام هو الدين قال تعالى :قال تعالى : {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ }آل عمران19
21-نداءاتهم في بلاد الإسلام : في بلاد الإسلام ينادون : بتحرر المرأة من قيودها –أي الشريعة – ويدعونها للتفلت التام بأساليب ملتوية ينادون بها في وسائل الإعلام المختلفة كقولهم : أن المرأة يضربها الرجل وأنها لاتأخذ حقوقوها في السعودية ويستغلون أي فرصة فردية تحصل فيها خلافات بين زوجين مثلا فيعظمون أمرها ويربطونها بحقوق الإنسان وينادون بها في أمريكا وغيرها (التعليق : المرأة لها حريتها التامة في ضوء الشرع الإسلامي الحنيف ومايحصل من مشاكل بين الزوجين فهي –وإن عظم أمرها –هي تصرفات فردية ويوجد في دول الغرب الكافر ماهو أشد وأقسى مما عند أهل الإسلام ولكن القضية عند الليبراليين أعظم من كون المرأة تضرب في بعض الأحوال الفردية أو لاتأخذ ميراثها الشرعي وإنما –كما قلنا –أنها دعوة لتفلت المرأة وتحررها من قيود الشريعة على الصحيح ) .
22-ومن نداءاتهم أيضا : الدعوة الصريحة أو غير الصريحة للإختلاط ويبذلون المساعي الحثيثة في تمكين المرأة من الإختلاط بدعوى المساواة مع الرجل وعدم سجنها في البيت . (التعليق : هذه الدعوة خلاف قول الله تعالى : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33
24-من مواضيعهم في بلاد المسلمين : تجدهم وفي وسائلهم الإعلايمة بالأخص وفي الأنترنت وغيره يكثرون الدندنة حول هذه المواضيع وهي : خروج المرأة وقيادتها للسيارة وإعطائها حقوقها المسلوبة –زعموا – والدعوة لاختلاطها بالرجال ويستغلون المواقف في إبراز المرأة فهذه أول امرأة –مسلمة - فعلت كذا في مجال كذا وهذه أول امرأة –مسلمة - فعلت كذا في مجال كذا وهكذا والمقصود مجالات تجعل المرأة سافرة عن وجهها مختلطة بالرجال وهو مايسعون إليه بكل جد واجتهاد ، وكذا تجد منهم الطعن في رجال الحسبة واستغلال الفرص لإبراز الأخطاء الفردية إن كانت أخطاء فعلا ، ويدندنون كثيرا على التساهل في التعامل مع الآخر (أي الكافر لكن هكذا يصفونه ) ، ويكثرون من الكلام على المدنية الغربية والحرية التي رأوها في مجتمعات الغرب وبالأخص أمريكا ويريدون دولة التوحيد أن تسير على خطاها . يكثرون النقد حول ماسموه بالتقاليد البالية والتراث وأنها كلها من القيود –والمقصود تدين أهل الإسلام والتقيد بقيود الشريعة - ومن وسائلهم : تتبع النصوص الحديثية وبعض القرآنية ليبينوا التناقض فيها وأن الحق في خلافها كما عند الفلاسفة الغربيين الكفرة أو أنهم يفهمون النصوص بفهمهم العقلاني لابفهم أهل الشريعة .
25-مصادرهم التي يرجعون إليها هي كتب الفلاسفة الغربيين وقصصهم وتراثهم الفكري ومنهم من ذكرنا أسماءهم فيما مضى انظر رقم -9- . (التعليق : كل هذه المصادر كما نرى هي زبالات أذهان الكفرة الملاحدة وهي تعتمد الفلسفة العقلية كفر لها والإلحاد دينا –إن صح التعبير - )
26-يعتبرون الليبرالية هي الملجأ الوحيد والمخلص للناس اليوم وأنها عصر التنوير . وإن أيدوا وجود حكم فبالحكم الديمقراطي ويحكم الناس في حدود ضيقة تقدم التنبيه عليها
27-من ينصرون ؟ ينصرون كل صاحب فكر معوج كفكر المعتزلة العقلاني وينصحون به ، وينصرون كل مخالف للشريعة بأي نوع من أنواع المخالفة ، وينصرون كل متمردة على دينها ووالديها ويسمونها متحررة ، وينصرون كل حركة خارجية خرجت في الإسلام ضد حكامها - المتسلطين على حد زعمهم – وينشرون لهؤلاء في صحفهم ومجلاتهم ويفتحون لهم مطابعهم ويلتقون بهم في الإجتماعات الأدبية بالذات وفي أماكن الشهوات والملذات كدور السينما وغيرها .
* حكم الله فيهم : الليبرالي الذي يدعوإلى الحرية المطلقة بدون قيودالواجب على ولاة الأمور أنمثل هؤلاء القوم يحاكمون ، ويحكم عليهم بما يقتضي الشرع ؛ لأن الذي يدعو إلى التحررمطلقًا من كل قيد ولو كان دينيًا هذا كافر ، وما معنى أن نقول : أنت حر ، صل أو لاتصل ، صم أو لا تصم ، زك أو لا تزكِ ؟
معناه : أنه أنكر فريضة من فرائضالإسلام ، بل فرائض الإسلام كلها ، وأباح الزنا واللواط والخمر ، فكيف يكون هذامسلم ؟!!هذا مرتد كافر ، يحاكم فإن رجع إلى دين الإسلام وكف شره عنالمسلمين وإلا فالسيف ... من فتاوى ابن عثيمين رحمه الله .
فتوى أخرى :
** المسلم هو المستسلم لله بالتوحيد ، المنقاد له بالطاعة ، البريئ من الشرك وأهله . فالذي يريد الحرية التي لاضابط لها إلا القانون الوضعي ؛ هذا متمرد على شرع الله ، يريد حكم الجاهلية ، وحكم الطاغوت ، فلا يكون مسلمًا ، والذي يُنكر ما علم من الدين بالضرورة ؛ من الفرق بين المسلم والكافر ، ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة ، ويُنكر الأحكام الشرعية ؛ من الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومشروعية الجهاد في سبيل الله ، هذا قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام ، نسأل الله العافية . والذي يقول إنه ( مسلم ليبرالي ) متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذُكر ، فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار ؛ ليكون مسلمًا حقًا . من فتاوى الفوزان حفظه الله..
هذا ما أمكن جمعه في هذه المادة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 5:59 am

مفهوم العولمة ونشأتها



يعتبر انهيار سور برلين ، وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط النظام الاشتراكي والذي كان يتقاسم الهيمنة مع الولايات المتحدة انتصاراً للنظام الرأسمالي الليبرالي والتي أظهرت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي يدعو إلى النظام الرأسمالي وتبني أيدلوجية النظام العالمي الاستعماري ــ تحت ستار ... العولمة [1]ـ والتي تمثل مرحلة متطورة للهيمنة الرأسمالية الغربية على العالم .
إن سقوط النظام الاشتراكي أدى إلى تحول العالم من " نظام الحرب الباردة " المتمركز حول الانقسام والأسوار إلى نظام العولمة المتمركز حول الاندماج وشبكات الإنترنت " تتبادل فيه المعلومات والأفكار والرساميل بكل يسر وسهولة" . وانتصار الرأسمالية على الاشتراكية أدى إلى تحول كثير من الاشتراكيين إلى الرأسمالية والديمقراطية باعتبارها أعلى صورة ـ بزعمهم ـ وصل إليها الفكر الإنساني وأنتجه العقل الحديث حتى عده بعضهم أنه نهاية التاريخ.
تعريف العولمة :
لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization) وبعضهم يترجمها بالكونية[2]، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، وبعضهم بالشوملة[3] ، إلا إنه في الآونة الأخيرة أشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل الساسة والاقتصاد والإعلام . وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي يعني تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله [4]. يقول "عبد الصبور شاهين " عضو مجمع اللغة العربية :" فأما العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عالم ونفترض لها فعلاً هو عولم يعولم عولمة بطريقة التوليد القياسي ... وأما صيغة الفعللة التي تأتي منها العولمة فإنما تستعمل للتعبير عن مفهوم الأحداث والإضافة ، وهي مماثلة في هذه الوظيفة لصيغة التفعيل[5]"
وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة حتى أنك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة ، ولاختلافات وجهة الباحثين فتجد للاقتصاديين تعريف ، وللسياسيين تعريف ، وللاجتماعيين تعريف وهكذا ، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى ثلاثة أنواع : ظاهرة اقتصادية ، وهيمنة أمريكية ، وثورة تكنولوجية واجتماعية.
النوع الأول : أن العولمة ظاهرة اقتصادية:
عرفها الصندوق الدولي بأنها :" التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتّمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله [6]" .
وعرفها "روبنز ريكابيرو" الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والنمو ـ بأنها :"العملية التي تملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية [7]".
وقال محمد الأطرش :" تعني بشكل عام اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق ، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة ، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات.[8]" بهذا التعريف للعولمة ركز على أن العولمة تكون في النواحي التجارية والاقتصادية التي تجاوزت حدود الدولة مما يتضمن زوال سيادة الدولة ؛ حيث أن كل عامل من عوامل الإنتاج تقريباً ينتقل بدون جهد من إجراءات تصدير واستيراد أو حواجز جمركية ، فهي سوق عولمة واحدة لا أحد يسيطر عليها كشبكة الإنترنت العالمية .
وعند صادق العظم هي :" حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها ، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ[9]".
التعريف الثاني : إنها الهيمنة الأمريكية :
قال محمد الجابري :" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات ، على بلدان العالم أجمع [10]".فهي بهذا التعريف تكون العولمة دعوة إلى تبنى إيديولوجية معينة تعبر عن إرادة الهيمنة الأمريكية على العالم . ولعل المفكر الأمريكي " فرانسيس فوكوياما " صاحب كتاب " نهاية التاريخ "يعبر عن هذا الاتجاه فهو يرى أن نهاية الحرب الباردة تمثل المحصلة النهائية للمعركة الإيديولوجية التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وهي الحقبة التي تم فيها هيمنة التكنولوجيا الأمريكية .
التعريف الثالث : إنها ثورة تكنولوجية واجتماعية :
يقول الاجتماعي "جيمس روزناو" في تعريفها قائلاً :" العلومة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل : الاقتصاد، السياسة ، الثقافة ، الايديولوجيا ، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار أسواق التويل ، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة[11]".وعرفها بعضهم بأنها : "الاتجاه المتنامي الذي يصبح به العالم نسبياً كرة اجتماعية بلا حدود . أي أن الحدود الجغرافية لا يعتبر بها حيث يصبح العالم أكثر اتصالاً مما يجعل الحياة الاجتماعية متداخلة بين الأمم" .
فهو يرى أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط ، فهي امتداد طبيعي لانسياب المعارف ويسر تداولها تم فيه الانتقال بشكل حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى المفهوم ما بعد الصناعي للعلاقات الصناعية .
وهناك من يعرفها بأنها:" زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات".وعرفها إسماعيل صبري تعريفاً شاملاً فقال :" هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية .[12]"

وبعد قراءة هذه التعريفات ، يمكن أن يقال في تعريف العولمة : أنها صياغة إيديولوجية للحضارة الغربية من فكر وثقافة واقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع باستخدام الوسائل الإعلامية ، والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:00 am

الفرق بين العولمة والعالمية


إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق . ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير .

العالمية : انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها . فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية . وخاصية العالمية هي من خصائص الدين الإسلامي ، فهو دين يخاطب جميع البشر ، دين عالمي يصلح في كل زمان ومكان ، فهو لا يعرف الإقليمية أو القومية أو الجنس جاء لجميع الفئات والطبقات ، فلا تحده الحدود . ولهذا تجد الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لفئة خاصة فكم آية في القرآن تقول " يا أيها الناس" فمن ذلك قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله تعالى :"يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وقوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظة الناس وقد تجاوزت المأتيين آية ؛ بل إن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه تنسب أقومهم إليهم " قوم نوح " " قوم صالح " وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد الخطاب القرآني بنسبة قومه إليه صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم فهو عالمي بطبعه، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"

ومن أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري هو إقصاء الإسلام عن عالميته ، وعدم زجه في كثير من حقول الحياة بزعم المحافظة على قداسته وطهوريته، وهذا نوع من الصد والهجران للدين ، وعدم فهم لطبيعة هذا الدين والذي من طبيعته وكينونته التفاعل مع قضايا الناس والاندماج معهم في جميع شؤون الحياة ، وإيجاد الحلول لكل قضاياهم وهذا من كمال هذا الدين وإعجازه . فهو دين تفاعلي حضاري منذ نشأته . فمنذ فجر الرسالة النبوية نزل قوله تعالى :" ألم ، غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فيذكر الخطاب القرآني الكريم المتغيرات العالمية ، لإدراك أبعاد التوازنات بين القوتين العظميين في ذلك الزمان ، وذلك " أن المسلم يحمل رسالة عالمية ، ومن يحمل رسالة عالمية عليه أن يدرك الوقائع والأوضاع العالمية كلها وخاصة طبيعة وعلاقات القوى الكبرى المؤثرة في هذه الأوضاع.[13]"

أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي . فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته ، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه ، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي ، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود . فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية ، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية ، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة ، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى ، فالعولمة عالم بدون دولة ، بدون أمة ، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية .[14]" يقول عمرو عبد الكريم :" العولمة ليست مفهوماً مجرداً ؛ بل هو يتحول كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلام ؛ بل وأخطر من ذلك كله هو أن العولمة أضحت عملية تطرح ـ في جوهرها ـ هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والأوضاع على فرضه وتثبيته وقسر مختلف شعوب المعمورة على تبني تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة [15]".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:00 am

نشأة العولمة


يذهب بعض الباحثين إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ليس لها علاقة بالماضي؛ بل هي عملية تاريخية قديمة مرت عبر الزمن بمراحل ترجع إلى بداية القرن الخامس عشر إلى زمن النهضة الأوروبية الحديثة حيث نشأت المجتمعات القومية .. فبدأت العولمة ببزوغ ظاهرة الدولة القومية عندما حلت الدولة محل الإقطاعية، مما زاد في توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة .
وذهب بعض الباحثين إلى أن نشأة العولمة كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين ، إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت تنامياً سريعاً . يقول إسماعيل صبري :" نشأت ظاهرة الكوكبة العولمة) وتنامت في النصف الثاني من القرن العشرين ، وهي حالياً في أوج الحركة فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع أو نقرأ عن اندماج شركات كبرى ، أو انتزاع شركة السيطرة على شركة ثانية ..[16]."
إن الدعوة إلى إقامة حكومة عالمية، ونظام مالي عالمي موحد والتخلص من السيادة القومية بدأت في الخطاب السياسي الغربي منذ فترة طويلة فهذا هتلر يقول في خطابه أمام الرايخ الثالث :" سوف تستخدم الاشتراكية الدولية ثورتها لإقامة نظام عالمي جديد" وفي كتابات الطبقة المستنيرة عام 1780:" من الضروري أن نقيم إمبراطورية عالمية تحكم العالم كله " وجاء في إعلان حقوق الإنسان الثاني عام 1973 :" إننا نأسف بشدة لتقسيم الجنس البشري على أسس قومية . لقد وصلنا إلى نقطة تحول في التاريخ البشري حيث يكون أحسن اختيار هو تجاوز حدود السياسة القومية ، والتحرك نحو بناء نظام عالمي مبني على أساس إقامة حكومة فيدرالية تتخطى الحدود القومية " وقال بنيامين كريم أحد قادة حركة العصر الجديد عام 1982 :" ما هي الخطة ؟ أنها تشمل إحلال حكومة عالمية جديدة ، وديانة جديدة ."
وكانت ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر قد اقترحت فكرة العولمة يرافقها في ذلك الرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغن. ووجهة نظر تاتشر الاقتصادية ـ والتي عُرفت بالتاتشرية ـ انبثقت من الاستحواذ اليهودي للمال والعتاد … حيث أن فكرتها الاقتصادية والتي صاغها اليهودي جوزيف وهي تهدف بجعل الغني أغنى والفقير أفقر.
ويذكر "بات روبرتسون[17] " إن النظام العالمي الجديد نظام ماسوني عالمي ، ويعلل على ما يقول : " بأن على وجهي الدولار مطبوع علامة الولايات المتحدة ، وهي عبارة عن النسر الأمريكي ممسكاً بغصن الزيتون رمز السلام بأحد مخالبه ، وفي المخلب الآخر يوجد 13 سهماً رمز الحرب . وعلى الوجه الآخر هرم غير كامل ، فوقه عين لها بريق المجد ، وتحت الهرم كلمات لاتينيه (Novus Order Seclorum) وهي شطرة من شعر فرجيل الشاعر الروماني القديم معناها " نظام جديد لكل العصور ". إن الذي صمم علامة الولايات المتحدة هذه هو تشارلز طومسون ، وهو عضو في النظام الماسوني وكان يعمل سكرتير للكونجرس . وهذا الهرم الناقص له معنى خاص بالنسبة للماسونيين ، وهو اليوم العلامة المميزة لأتباع حركة العصر الجديد ." وبعد تحليل ليس بطويل يصل المؤلف إلى وجود علاقة واضحة تربط بين النظام الماسوني والنظام العالمي الجديد .
وقد جاء في مجلة المجتمع بحثاً عن منظمة "بلدربرج" والذي أسسها رجل الأعمال السويدي " جوزيف هـ. ريتنجر" ـ والذي سعى إلى تحقيق الوحدة الأوروبية ، وتكوين المجتمع الأطلسي ـ وهي منظمة سرية تختار أعضاءها بدقة متناهية من رجال السياسة والمال ، وتعقد اجتماعاتها في داخل ستار حديدي من السرية ، وفي حراسة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ، ولا تسمح لأي عضو بالبوح بكلمة واحدة عن مناقشاتها ، ولا يحق للأعضاء الاعتراض أو تقديم أي اقتراح حول مواضيع الجلسات ، ويمول هذه المنظمة مؤسسة روكفلور اليهودية وبنك الملياردير اليهودي روتشيلد ، ومعظم الشخصيات في هذه المنظمة هم من الماسونيين الكبار ، وكثير من رؤساء الولايات المتحدة نجحوا في الانتخابات بعد عضويتهم في هذه المنظمة مثل : ريجان ، وكارتر ، وبوش ، وكلينتون ، وبعد اشتراك تاتشر في المنظمة بسنتين أصبحت رئيسة وزراء إنجلترا ، وكذلك بيلر أصبح رئيساً للوزراء بعد مضي أربع سنوات من اشتراكه في المنظمة ، وهي تسعى للسيطرة على العالم وإدارته وفق رؤيتها ، فقرارتها تؤثر على التجارة الدولية وعلى كثير من الحكومات [18].

فالعولمة نشأت مع العصر الحديث وتكونت بما أحدثه العلم من تطور في مجال الاتصالات وخصوصاً بعد بروز الإنترنت والتي أتاحت مجال واسع في التبادل المعرفي والمالي ، وارتباط نشأة الدولة القومية بالعولمة في العصر الحاضر فيه بعد عن مفهوم العولمة والذي يدعو أساساً إلى نهاية سيادة الدولة والقضاء على الحدود الجغرافية ، وتعميم مفهوم النظام الرأسمالي واعتماد الديموقراطية كنظام سياسي عام للدول. ولكن هناك أحداث ظهرت ساعدت على بلورة مفهوم العولمة وتكوينه بهذه الصيغة العالمية فانهيار سور برلين ، وسقوط الاشتراكية كقوة سياسية وإيديولوجية وتفرد القطب الأوحد بالسيطرة والتقدم التكنولوجي وزيادة الإنتاج ليشمل الأسواق العالمية أدت إلى تكوين هذا المفهوم .

وخلاصة البحث أن مصطلح العولمة منشأه غربي، وطبيعته غربية، والقصد منه تعميم فكره وثقافته ومنتوجاته على العالم، فهي ليست نتيجة تفاعلات حضارات غربية وشرقية، قد انصهرت في بوتقة واحدة ؛ بل هي سيطرة قطب واحد على العالم ينشر فكره وثقافته مستخدمة قوة الرأسمالي الغربي لخدمة مصالحه. فهو من مورثات الصليبية فروح الاستيلاء على العالم هي أساسه ولبه ولكن بطريقة نموذجيه يرضى بها المستعمر ويهلل لها ؛ بل ويتخذ هذه الصليبية الغربية المتلفعة بلباس العولمة مطلب للتقدم . يقول "بات روبرتسون[19]":" لم يعد النظام العالمي الجديد مجرد نظرية ، لقد أصبح وكأنه إنجيل."


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:01 am

العولمة وصراع الحضارات



{الذٌينّ أٍخًرٌجٍوا مٌن دٌيّارٌهٌم بٌغّيًرٌ حّقَُ إلاَّ أّن يّقٍولٍوا رّبٍَنّا اللَّهٍ ولّوًلا دّفًعٍ اللَّهٌ النَّاسّ بّعًضّهٍم بٌبّعًضُ لَّهٍدٌَمّتً صّوّامٌعٍ وبٌيّعِ وصّلّوّاتِ ومّسّاجٌدٍ يٍذًكّرٍ فٌيهّا اسًمٍ اللَّهٌ كّثٌيرْا ولّيّنصٍرّنَّ اللَّهٍ مّن يّنصٍرٍهٍ إنَّ اللَّهّ لّقّوٌيَِ عّزٌيزِ} [الحج: 40].
فالصراع سنة ماضية، والصراع بين الحضارات إنما هو في جوهره صراع بين معتقدات لا بين طبقات ولا عرقيات. فأصحاب الطبقة الواحدة، والمنتمون إلى قومية واحدة بل قبيلة واحدة قد يقتل بعضهم بعضاً إذا اختلفت معتقداتهم. على هذا تدل الآية الكريمة التي تشير إلى اعتداء أناس من قبيلة هي أشرف قبائل العرب على أناس آخرين من هذه القبيلة نفسها؛ لأنهم خالفوهم في معتقدهم. وهذا هو الذي توصل إليه دارسو الحضارات من الغربيين؛ فإنهم يكادون أن يكونوا مجمعين على أن الحضارة وإن تكونت من عناصر كثيرة إلا أن أهم عنصر فيها هو العنصر الثقافي، وأن أهم عنصر في الثقافة هو الدين. ويلاحظون أن كبرى الحضارات كانت إلى حد كبير مرتكزة على أديان. فما الحضارة؟ وما الثقافة؟ وما العولمة؟ وما علاقة الصراع بين الحضارات بها؟
الحضارة والثقافة والعولمة: كلمات الحضارة والمدنية والثقافة والعولمة وإن كانت عربية إلا أنها جعلت في استعمالنا الحديث رموزاً تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام 1993م في مجلة Foreign Affairs بهذا العنوان، ثم نشر موسعاً في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة المدنية أو الحضارةcivilization ، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة culture؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي:
يضع المفكرون الألمان حداً فاصلاً بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومثله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العرق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضــارات مختلفة، كمـا أن الحضـــارة الواحـــدة ـ كالحضارة الإسلامية ـ قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قرية إيطالية مثلاً قد يتميزون ثقافياً عن قرية إيطالية أخرى لكنهم يشتركون في ثقافة إيطالية تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري(1).
أما العولمة فيمكن أن نقول إنها في أساسها تصيير المحلي عالمياً؛ فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم. النتيجة النهائية المثالية للتعولم أن تكون للعالم كله لغة أو لغات مشتركة، وأن تكون التجارة فيه مفتوحة ومتيسرة بين كل بلدان العالم، وأن يسود فيه نظام اقتصادي واحد، ونظام سياسي واحد، وأن تسود فيه عقيدة واحدة، وأن تكون للناس فيه قيم مشتركة في مسائل كحقوق الإنسان والعلاقة بين الجنسين، وأن يكون هنالك أدب عالمي يتذوقه الناس كلهم، وأن يسود فيه تبعاً لذلك نظام تعليمي واحد، وهكذا. وأن تكون كل هذه الأمور التي تعولمت مناسبة للناس من حيث كونهم بشراً، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، أي تكون للعالم حضارة عالمية واحدة. هذا هو الهدف النهائي المثالي، لكن العولمة قد تكون ناقصة، وقد تكون تامة من غير أن تكون مناسبة للبشر بل مفروضة عليهم لظروف طارئة.
المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريباً على أنه وإن كانت الكلمة جديدة إلا أن ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أن السير نحو هذه العالمية بدأ منذ مئات السنين.
فإذا كانت هذه هي العولمة فما وسائلها التي تجعلها ممكنة وتحركها؟ يذكر بعض المؤرخين أنه كان للعولمة في الماضي سببان رئيسان هما الهجرة والغزو.
ولكن لنا أن نسأل: لماذا يهاجر الناس، ولماذا تغزو بعض البلاد بعضاً؟ إنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يرونه ـ بحسب قيمهم ـ في مصلحتهم المادية أو الروحية. هذا إذن هو الدافع الأول المحرك للهجرة أو الغزو أو أي نوع آخر من أنواع الاتصال بين أمة وأمة. لكن الناس إنما يقررون الهجرة إلى مكان معين أو غزو أمة معينة بحسب ما يصلهم من معلومات عنها، وبحسب إمكانية الوصول إليها. هذان إذن عاملان آخران هما المعلومات ووسائل الانتقال؛ وهذان يعتمدان كثيراً على مستوى التقنية الذي تصل إليه الأمة المهاجرة أو الغازية أو الساعية لأي نوع آخر من أنواع العلاقات أو التأثير.
دوافع أمة لغزو أمة أخرى أو هجرة بعضهم إليها هي في غالبها دوافع اقتصادية، لكن بعضها قد يكون ثقافياً. والأمران متشابكان؛ فحتى الغازي لأسباب اقتصادية ينقل معه ثقافته وقد يفرضها على المهزومين إذا كان غازياً ذا إمكانات كبيرة، وقد يتأثر بثقافة من غزاهم، بل وقد يتبناها ويترك ثقافته، وقد يكون التأثر والتأثير متبادلاً. والمهاجر أو الغازي لأسباب ثقافية قد يستفيد فوائد اقتصادية، وقد يحدث لثقافته التي هاجر من أجلها ما يحدث للمهاجر.
كان غزو المسلمين للعالم مثالاً للغزو بدافع حضاري؛ فقد كانوا يعدون أنفسهم أصحاب رسالة موجهة للعالم كله كلفوا هم بتبليغها إليه بالوسائل السلمية ما أمكن، وإلا باللجوء إلى الحرب. لكن حتى المسلمين الذين كانوا يهاجرون طلباً للرزق كانت مهمتهم الرسالية ماثلة أمامهم، فأثروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، فنقلوا إليها ـ كما نقل الغزاة قبلهم ـ دينهم ولغتهم ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، كتعلم لغتهم.
أما المسلمون الذين يهاجرون إلى البلاد الغربية في أيامنا هذه فإنهم يفعلون ذلك لأسباب في غالبيتها العظمى اقتصادية، وتجربتهم تدل على أن الغالبية العظمى منهم تفقد هويتها الثقافية ـ لغة ومظهراً وديناً ـ وتذوب في المجتمعات الغربية. لكن أكثر ما يحتفظون به ويؤثرون به في تلك المجتمعات هو طعامهم. غير أن قلة من هؤلاء الذين هاجروا لأسباب اقتصادية كانت ـ مع القلة التي تسافر لأسباب دعوية أو دراسية ـ سبباً في قبول بعض الغربيين للإسلام، وفي انتشار بعض المظاهر الإسلامية كالمساجد والمدارس والمكتبات والحجاب.
أما الغربيون الذين ذهبوا إلى العالم الإسلامي غزاة أو لأسباب اقتصادية فإن قلة قليلة منهم هي التي تأثرت بالثقافة الإسلامية أو اعتنقت الإسلام. ولذلك كان دخول بضعة آلاف من الجنود الأمريكان في الإسلام في المدة القصيرة التي قضوها في السعودية إبان حرب الخليج أمراً ملفتاً للنظر شاذاً عن القاعدة. لكن دخول غير الغربيين المهاجرين إلى العالم الإسلامي كان ولا يزال أمراً معتاداً.
أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب اقتصادية، لكن الدافع الرسالي كان أيضاً حاضراً فيه حضوراً بيناً. فالغربيون كانوا يرون أن لهم رسالة هي أن يحضِّروا العالم ويجعلوه نصرانياً. وهم يرون أن حضارتهم تفوق الحضارات الأخرى لما تمتاز به من عقلانية لا توجد في غيرها، وأن هذه الميزة هي التي تؤهلها لأن تكون الحضارة العالمية. يرى أحد الأساتذة الأرجنتينيين أن أحسن من يعبر عن هذا الاعتقاد هو هيجل وينقل عنه قوله: «إن الروح الألمانية هي روح العالم الجديد». ويقول: إن هيجل يرى أن الروح الأوروبية التي هي روح ألمانيا هي الحقيقة المطلقة التي تحقق نفسها بنفسها من غير أن تكون مدينة لأحد سواها. ويقول ـ أعني الكاتب ـ: إن هذه القضية ـ يعني قضية هيجل ـ لم تفرض نفسها على أوروبا والولايات المتحدة فحسب؛ بل على كل المجال الفكري لأطراف العالم(1). ويقول أستاذ بجامعة ديوك الأمريكية: «إنه لأمر عجيب وإنها لحركة في غاية التعصب العنصري أن تعتقد أوروبا أن عليها منذ عام 1500م أن تحضِّر عالماً ظلت فيه منذ قرون حضارات (مثل الحضارة الصينية والهندية والإسلامية...) قبل أن تجعل من نفسها مركزاً جديداً للعالم باسم النصرانية وأوروبا زمرة من الجماعات الهمجية الصاعدة»(1)، وأحسن من عبر عن الجمع بين الدافعين الاقتصادي والحضاري هو المؤرخ الأسباني الذي سوغ ذهابه وزملاءه لغزو الجزر الهندية بقوله: «خدمة لله ولصاحب الجلالة، ولنقل النور إلى أولئك الجالسين في الظلام، ولنصير أغنياء كما أن كل إنسان يريد أن يصير»(2).
استطاعت أوروبا أن تفرض نفسها وكثيراً من جوانب حضارتها على تلك الحضارات بالغزو والاحتلال والاستعمار، ثم بوسائل الإعلام والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية. يقول مؤرخهم المعاصر بشيء من الزهو:
«إن التغيير الذي حدث في تاريخ العالم بعد عام 1500م لم يكن له سابقة. لم يحدث من قبل ذلك أبداً أن انتشرت حضارة واحدة في أرجاء الأرض كلها؛ فمنذ أقدم مسارح ما قبل التاريخ المشاهدة كان الميل دائماً نحو التنوع. أما الآن فإن التيار الثقافي بدأ يتحول. إن جوهر ما كان يحدث كان بادياً حتى منذ أواخر القرن الثامن عشر. فالأمم الأوروبية ـ بما فيها روسيا ـ كانت في ذلك الوقت قد ادعت لنفسها أكثر من نصف سطح الأرض، وكانت ـ بدرجات متفاوتة ـ قد سيطرت بالفعل على ما يقرب من ثلثه. ففي غرب الكرة الأرضية كانوا قد ازدرعوا جماعات مستوطنة تكفي بأعدادها الكبيرة لإنشاء مراكز حضارية جديدة؛ فقد خرجت أمة جديدة من المقاطعات البريطانية السابقة في أمريكا الشمالية، وفي الجنوب استطاع الأسبان أن يحطموا حضارتين ناضجتين ليغرسوا حضارتهم»(3).
ثم يذكر أنه كان هنالك في ذلك التاريخ ما يقرب من عشرين ألف هولندي في جنوب أفريقيا، وأن أستراليا كانت قد بدأت تستقبل مستوطنيها الجدد. وأن الزائر الأوروبي لشرق أفريقيا وإيران والهند وأندونيسيا كان سيجد فيها أوروبيين جاؤوا ليتاجروا ثم ليرجعوا إلى بلادهم في المدى القريب أو البعيد ليستمتعوا بالأرباح التي حققوها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الاستعمار الغربي قد شمل أفريقيا كلها، وأحكم سيطرته على شبه القارة الهندية وبقية آسيا. وفي أوائل القرن العشرين أخضـع الشــرق الأوسـط كله ـ عدا تركيا ـ لسيطرته المباشرة، ومع نهاية عام 1920م كانت الإمبراطـــورية العثمانية قـد قسـمت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. في غضون هذا التوسع قضى الغرب قضاءً كاملاً على حضارتــي (Meso american) و (Andean)، وأخضعـت الحضارات الهندية والإسلامية وأخضعت أفريقيا. وتوغل في الصين وجعلت تابعة للنفوذ الغربي لمدة أربعمئة عام تمثلت العلاقة بين الحضارات في خضوع المجتمعات غير الغربية للحضارة الغربية(4).
ذلك ما كان حتى عام 1920م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة.
تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن ـ كما لخصها كاتب أمريكي ـ في أن الأمم الغربية:
- تملك وتدير النظام المصرفي العالمي.
- وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة.
- وأنها هي الزبون العالمي الأول.
- وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة.
- وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية.
- وأنها تمارس قدراً كبيراً من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات.
- وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم.
- وأنها تسيطر على المضايق البحرية.
- وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة.
- وأنها المتحكمة في التعليم التقني الفائق.
- والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء.
- وعلى صناعة الطيران.
- وعلى وسائل الاتصال العالمية.
- وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة(1).
العولمة لم تكن ـ كما كان يرجى لها إذن ـ أن تسود في العالم ثقافة إنسانية تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضاً. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريباً بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى.
إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟..يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلاً ـ على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول:
1 - لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضاً لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفاً خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفاً نسبياً للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية.
2 - يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيماً ولا فكراً ولا ديناً وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً(2).
بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقاً في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقاً.
3 - أما الآن فإن هذا الضعف النسبي في القوة المادية للغرب يصحبه وربما سبقه فتور في الدافع الرسالي؛ فحماس الغربيين لدينهم المسيحي في بداية قرنهم الواحد والعشرين لم يعد كما كان في القرن الثامن عشر، ولم يطرأ هذا الفتور في الحماس الديني بسبب التأثر بالحضارات الأخرى في المكان الأول، وإنما كان في أساسه:
- بسبب دراساتهم العلمية لأصول دينهم التاريخية، تلك الدراسات التي شككت في الثبوت التاريخي لكثير من نصوصه، والتي أثبتت أن في هذه النصوص تناقضاً ومخالفة لبعض الحقائق العلمية نشأ عنه انقسامهم إلى أصوليين ـ أكثرهم من العوام ـ يؤمنون بحرفية ما في كتابهم المقدس، وليبراليين يعتقدون أنه ما كل ما فيه من عند الله، وأنه تأثر بالظروف الثقافية للزمن الذي كتب فيه.
- ثم كان التطور في مجال العلوم الطبيعية سبباً آخر؛ لأن منهج هذه العلوم يقوم على عقلانية لا وجود لها في دينهم.
- ثم زاد من ضعف الإقبال على الدين أو الاهتمام به النظام السياسي العلماني الذي يفصله عن الدولة، بل وعن الحياة العامة كلها.
4 - كان كثير من المفكرين الغربيين يأملون في أن يحل العلم الطبيعي محل الدين، وينجح في حل مشاكل البشرية التي عجز الدين عن حلها. لكن تجربة الحربين العالميتين العظميين، واعتمادهما على التقنية الحربية التي وفرها العلم الطبيعي أضعفت من هذا الأمل. ثم كانت كارثة هيروشيما فاقتنع كثير من المفكرين والعوام الغربيين بأن العلم الطبيعي إنما هو سلاح يعتمد حسن استعماله أو سوؤه على قيم لا تؤخذ منه هو، فلا بد أن يكون لها مصدر آخر.
5 - والشيوعية ـ التي هي نتاج غربي ـ والتي تعلق بأوهامها الآلاف المؤلفة من الناس في الشرق والغرب، باءت هي الأخرى بإخفاق ذريع.
6 - لم يبق للغرب الآن مبدأ يتعلق به ويدافع عنه ويعتز به إلا الديمقراطية الليبرالية وما يصاحبها من نظام رأسمالي. لكن حتى هذين يجدان كثيراً من النقد والمراجعة لعدم وفائهما ببعض القيم الإنسانية، ولا سيما إنصاف الفقراء، ولما نتج عنهما من تعميق للروح الفردية وما يصحبها من مشكلات اجتماعية.
7 - الروح السائدة في الغرب الآن ليست روحاً متفائلة، بل إن التشاؤم قد يصل بهم إلى الحد الذي عبر عنه كاتب فرنسي أزعج ذلك الشعب وأثار تشاؤمه حين كتب يقول كما نقل عنه مؤلف إنجليزي: «إن أوروبا بدأت تدخل في عصر ظلام جديد يتميز بالأوبئة والمتسولين وانهيار المدن، وبعث الخرافة، وعودة التهديد القادم من الشرق ـ من آسيا ومن الإسلام»(1).
ولعلنا نستطيع أن نقول إنه حتى لو لم يطرأ هذا الفتور في حماس الغربيين لدينهم ولرسالتهم، فإنه ما كان لحضارتهم أن تصير حضارة عالمية إذا ما فقدت القوة المادية؛ لأنها لا تملك في نفسها مقومات العالمية. لكن هذا موضوع آخر لا يسعنا الدخول في تفاصيله الآن، غير أن كثيراً من هذا القصور سيتضح إذا ما أظهرنا بعض مقومات عالمية الإسلام؛ إذ بضدها تتميز الأشياء. إلى هذا نتجه الآن وبه نختم مقالنا هذا.
ما الذي يؤهل الحضارة الإسلامية لأن تكون حضارة عالمية؟... أرى أننا ينبغي أن نميز أولاً بين الإسلام والحضارة الإسلامية؛ لأنه إذا كانت الحضارة هي في جوهرها المعتقدات والقيم والتصورات المتمثلة فعلاً ـ أو قل إلى حد كبير ـ في واقع أمة من الأمم، فما كل ما جاء به الدين المنزل من عند الله متمثلاً في الأمة التي تعلن إيمانها به. فالدين دينان: دين منزل من عند الله لا يتغير ولا يتبدل {إنَّا نّحًنٍ نّزَّلًنّا الذٌَكًرّ وإنَّا لّهٍ لّحّافٌظٍونّ} [الحجر: 9] ودين متمثل في واقع الناس يقترب من الدين المنزل أو يبتعد عنه، ولا يطابقه إلا في الرسول الذي جاء به، والذي صدق عليه قول زوجه أم المؤمنين: «كان خلقه القرآن»(1)، أما غيره فمنهم من يقرب منه قرباً شديداً، ومنهم من يبتعد عنه بعداً كبيراً وإن كان منتسباً إليه. فالحضارة الإسلامية المتمثلة في واقع المسلمين تتأهل للعالمية بقدر قربها من الدين المنزل الذي تنتسب به. فما مقومات العالمية في هذا الدين؟ إنها مقومات كثيرة وعظيمة، لكننا نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعضها:
1 - أنه بينما كان الرسل من أمثال موسى وعيسى ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يرسلون إلى أقوامهم خاصة فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس كافة، أرسل رحمة للعالمين، وجعله الله خاتماً للنبيين. فحتى لو كان اليهود والنصارى المنتسبون إلى هذين الرسولين مستمسكين بدينهم الحق، لما جاز لهم أن يجعلوا منهما دينين عالميين بعد نزول الدين الخاتم؛ لأن الله ـ تعالى ـ إنما أرسل هذين الرسولين إلى قومهما خاصة وإلى فترة محدودة. فالمسلم المستمسك بدينه العارف بهذه الحقيقة يستبشر بالتطور الذي حدث في وسائل الاتصال والانتقال الذي جعل من العالم قرية واحدة كما يقولون. يستبشر به؛ لأنه يرى فيه تصديقاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا أحد غير الله ـ سبحانه وتعالى ـ كان يمكن أن يعلم أن العالم سيتقارب هذا التقارب فلا يحتاج إلا إلى رسول واحد.
2 - أن إمكانية تقريب المسافات أمر حاضر في حس المؤمن الذي يقرأ قوله ـ تعالى ـ: {سٍبًحّانّ الذٌي أّسًرّى بٌعّبًدٌهٌ لّيًلاْ مٌَنّ المّسًجٌدٌ الحّرّامٌ إلّى المّسًجٌدٌ الأّقًصّا الذٌي بّارّكًنّا حّوًلّهٍ} [الإسراء: 1]، وحين يذكر كيف أن المكذبين به صلى الله عليه وسلم ضاقت أعطانهم عن أن يروا إمكان ذلك، وحسبوا أن الممكن محصور في المألوف. ويقرأ المؤمن في كتاب ربه أن رجلاً عنده علم من الكتاب استطاع أن ينقل عرشاً بأكمله في أقل من طرفة عين من اليمن إلى الشام، ثم يقرأ في كتاب ربه ما هو أعجب من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء السابعة ورجع في ليلة واحدة؛ وهي مسافة لو قطعها مخلوق بسرعة الضوء لاستغرقت منه البلايين من السنين الضوئية. ويصدق المسلم قول رسوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»(2).
3 - أن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ فهو يخاطبهم بوصفهم بشراً وضع الله في قلوبهم أساسه؛ فهو ليس بالأمر الغريب عليهم. وما أكثر الذين شعروا بهذا حين أسلموا وفاضت أعينهم مما عرفوا من الحق.
4 - ومما يزيد المسلم اقتناعاً بعالمية دينه أنه أثبت في الواقع أنه ليس بالدين الذي تحده ظروف جغرافية أو مناخية، أو زمانية أو ثقافية؛ فقد اعتنق هذا الدين أناس بينهم كل أنواع تلك الاختلافات، فلم يجدوا في شيء منها ما يحول بينهم وبين الإيمان به أو وجدانهم شيئاً غريباً عليهم. فالمسلمون في كل بقاع الأرض الآن أقرب إلى دينهم من النصارى أو اليهود لدينهم. فما زال المسلمون رغم كل تلك الظروف المختلفة يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويقرؤون الكتاب المنزل على رسولهم من غير تحريف ولا تبديل.
5 - وإذا كان تطور العلوم الطبيعية يقف الآن حجر عثرة في طريق بعض الأديان الباطلة، فإنه يقف شاهداً على صدق هذا الدين؛ لأنه لا يجد فيه ما يخالف شيئاً من حقائقه، بل يجد فيه تقريراً لبعض تلك الحقائق قبل أن يتمكن الإنسان من اكتشافها بوسائله البشرية. ولا يجد فيه مخالفة لمنهجه العقلاني التجريبي؛ إذ يجده ديناً لا يأتي بمحالات العقول، ولا ينكر ما يشهد به الحس. فإذا ما شعر الناس بأهمية الدين ـ كما يشعر بذلك كثير منهم الآن ـ وإذا ما صدهم عما عرفوه من أديان تناقضها المنطقي، أو مخالفتها للواقع المحسوس فسيجد ديناً فيه كل ما يريد من هدى واستقامة وراحة نفسية، وهو خال من تلك النقائص. فسيكون العلم الطبيعي بإذن الله ـ تعالى ـ سبباً من أسباب دخول الناس في هذا الدين على المستوى العالمي.
6 - والغرب وإن كان في مجموعه مهيمناً تلك الهيمنة التي ذكرناها سابقاً إلا أنه ليس شيئاً واحداً منسجماً متعاوناً، وإنما هو شعوب ودول وجماعات تختلف مصالحها ويثور التنافس والتحاسد بينها، ويرتاب بعضها من قوة بعضها ويخشى من سيطرتها.
إذا كانت تلك هي بعض المقومات التي تؤهل الإسلام ليكون دين القرية العالمية، ومركز حضارتها، فإن في واقع الأمة المنتمية إليه الآن ما يعرقل سيرها بدينها نحو تلك العالمية:
1 - أول تلك العوائق هو كون الحضارة الغربية قد نجحت في جعل بعض المنتسبين إليه عملاء لها في داخل الأوطان الإسلامية، ومكنت لهم فيها؛ فهم الذين قسموا الأمة وجعلوها متنازعة، وشغلوها بصراعات داخلية سياسية واجتماعية، فحالوا بذلك بينها وبين أن تسعى متكاتفة إلى الأخذ بأسباب التقدم المادي من علم طبيعي وتقنية وإنتاج؛ لأن وحدة الأمة ـ وإن كانت كافرة ـ شرط في هذا كما تشهد بذلك تجارب اليابان والأمم الغربية.
2 - وثانيها أن هذا النزاع كان وما يزال السبب في فقدان القدر اللازم من الحرية التي هي أيضاً شرط لذلك التقدم. لكن الغربيين الذين كانوا سبباً في فقدانها يعزون هذا الفقدان الآن إلى طبيعة العرب أو طبيعة الإسلام! وقديماً قال العربي: «رمتني بدائها وانسلَّت».
3 - وثالثها أن كثرة كاثرة من المنتمين إلى الإسلام قد حادوا عن جوهره التوحيدي، ففقدوا بذلك الشرط الذي علق الله ـ تعالى ـ نصره لهم عليه في مثل قوله ـ تعالى ـ: {وعّدّ اللَّهٍ الذٌينّ آمّنٍوا مٌنكٍمً وعّمٌلٍوا الصَّالٌحّاتٌ لّيّسًتّخًلٌفّنَّهٍمً فٌي الأّرًضٌ كّمّا اسًتّخًلّفّ الذٌينّ مٌن قّبًلٌهٌمً ولّيٍمّكٌَنّنَّ لّهٍمً دٌينّهٍمٍ الذٌي ارًتّضّى لّهٍمً ولّيٍبّدٌَلّنَّهٍم مٌَنً بّعًدٌ خّوًفٌهٌمً أّمًنْا يّعًبٍدٍونّنٌي لا يٍشًرٌكٍونّ بٌي شّيًئْا ومّن كّفّرّ بّعًدّ ذّلٌكّ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الفّاسٌقٍونّ} [النور: 55].
4 - ورابعها أن الغرب يبالغ في خوفه من الإسلام، ويزيد في هذا التخويف أناس يبالغون في خطر البعث الإسلامي الجديد متخذين من هذا التخويف وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا تمت إلى مصلحة الغرب في شيء؛ وأكثر من يعينهم على هذا ويعطيهم أدلة يفرحون بها أناس لا عقل لهم ينتمون إلى حركة البعث هذه يكثرون من التهديد والوعيد للغرب من غير أن تكون لهم مقدرة على تحقيق أدنى شيء منه. وبسبب هذا الخوف المَرَضي من الإسلام ييالغ الغرب في ضغطه على الدول الإسلامية والتدخل في شؤونها ليقضي على كل بادرة نهضة إسلامية تطل برأسها فيها، {واللَّهٍ غّالٌبِ عّلّى أّمًرٌهٌ ولّكٌنَّ أّكًثّرّ النَّاسٌ لا يّعًلّمٍونّ} [يوسف: 21] .
5 - مع كل هذا الخطر الغربي فإن بعض الدعاة عندنا يتصرفون وكأنه لا وجود للغرب نفسه؛ فلا يتتبعون أخباره ولا يهتمون بمعرفة سياساته ومخططاته، ولا يفكرون في الرد على أفكاره، وكأنهم لم يسمعوا بمثل ما قال عالم الجزيرة الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن معرفة أحوال الكفار من أعظم أبواب الجهاد». وصار هؤلاء الدعاة ـ بسبب هذه الغفلة ـ مشغولين بمحاربة أناس هم معهم في صف البعث الإسلامي. إن نقد الخطأ ـ ولا سيما ما كان في مسائل العقيدة ـ أمر واجب وعمل عظيم؛ لكن نقد أخطاء المسلمين شيء، وجعلها الشغل الشاغل عن الخطر الداهم شيء آخر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:02 am

الإعلام الإسلامي وتحديات العولمة




1 - قَدَرُ الفكر الإسلامي، بل الفكر الإنساني عامة أن يواجه في العقدين الأخيرين لسلة متلاحقة من المصطلحات الجديدة في السياسة والاقتصاد والفكر والدين وغير ذلك؛ بصورة ترهق العقل الإنساني إذا حاول التأمل والتفكيك لهذه المصطلحات وتدوير النظر فيها وتعميقه. وكان مصطلح العولمة واحداً من أحدث هذه المصطلحات التي ابتلينا بها، والتي نحاول منذ سنوات التأمل فيه وتفكيكه والبحث في مراميه وخلفياته، ونحاول فهمه في ضوء ما ابتلينا به سابقاً من مصطلحات أو ظواهر إنسانية مختلفة، ورغم محاولاتنا ومحاولات غيرنا فإن مصطلح العولمة ما زال يحمل قدراً كبيراً من المراوغة وعدم الوضوح، ويتجلى ذلك في العديد من التأويلات والتفسيرات التي طرحت له من قِبَل مفكرين عرب ومسلمين وغربيين، وبصورة تجعل محاولة الانشغال بضبط المصطلح علمياً أمراً غير ذي جدوى، وحسبنا الإطار العام الذي تدور فيه دلالات المصطلح، ألا وهو النزوع نحو الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والقيمية للقوى القادرة والمستكبرة في عالم اليوم على غيرها من الأمم والشعوب، وبصورة تؤدي إلى «تنميط» الحالة الإنسانية وهندسة البناء الاجتماعي وفق معادلات تم وضعها سلفاً وبصورة حاسمة ومدمرة للشخصية الإنسانية.
ولعل الوجه الأبرز والأكثر حضوراً للعولمة هذه الأيام هو الوجه الاقتصادي، ومعظم المؤتمرات ـ أو المؤامرات ـ التي تعقد في الشرق أو الغرب تحت مظلة أو لافتة «العولمة» هي ذات وجه اقتصادي واضح وصريح، كما حدث في سياتل الأمريكية، وأخيراً في «جنوا» الإيطالية التي شهدت أول قتيل «أوروبي» في انتفاضة الضمير الإنساني ضد مخاطر العولمة.
وبروز هذا الوجه الاقتصادي للعولمة على غيره إنما يعبر في الحقيقة عن الوجهة العامة للمؤسسات الدولية المتحكمة في مسار التاريخ الإنساني الآن؛ إذ إن «القيم المادية» هي الهدف وهي البوصلة وهي الطريق الوحيد أو الأبرز والأساس الذي تتجه إليه هذه المؤسسات، ويأتي الشأن الثقافي والفكري والإعلامي وحتى السياسي فيما بعد نوعاً من الدعم أو «الخدمة» لهذه الوجهة؛ ومن ثم فلنا أن نتصور الحديث عن العولمة بوصفها وجهاً للهيمنة الاقتصادية لرأس المال المحتكر للطاقة البشرية، وبحثه عن «تطويع» العقل والوجدان الإنساني بحيث يتعايش مع هذه الهيمنة ولا يتنافر معها، وفي سبيله إلى هذا «التطويع» لن يعدم استغلال إمكانياته الهائلة في «إغواء» أو حتى «إذلال» المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو «الدينية» ـ مع الأسف الشديد ـ لكي تدعم توجهاته وأهدافه، وهي الأهداف التي تتلخص في صناعة شخصية إنسانية شهوانية، فاقدة لأية قيم إنسانية راسخة، دينية أو أخلاقية، ذات هوس استهلاكي وفراغ عقلي ووجداني، وفاقدة لأية مناعة نفسية أو وجدانية أو عقلية ضد عمليات «التنميط» للشخصية الإنسانية؛ بحيث يمكن إعادة هيكلة اتجاهاتها وعواطفها كل حين كما لو كانت زياً في الملابس «موضة» وقصة الشعر.
2 - والحقيقة أن محاولات الدخول إلى العقل الإسلامي بقيم العولمة من بوابة الثقافة والفكر، والتي لم تعد تحتاج جهوداً أجنبية؛ حيث هناك من بني جلدتنا ولساننا من يتولون الدعوة الصريحة والفجة لها، أقول: هذا المدخل يعود أساساً إلى غياب الوعي والإدراك الكامل لمفهوم التبعية في العالم الثالث؛ حيث روجت القوى الثورية واليسارية والقومية التي قادت حركة الفكر في نصف القرن الأخير في العالم العربي والإسلامي، روجت للمفهوم السياسي والاقتصادي للاستقلال؛ بينما تجاهلت ـ أو جهلت ـ الأخطر والأفدح، وهو الاستقلال الفكري والثقافي؛ فكنت تجد بعض المدافعين عن الاستقلال الوطني ـ مثلاً ـ يمثلون ـ هم أنفسهم ـ بوابات التغريب والتبعية الثقافية في العالم العربي والإٍسلامي، بل من مفارقات الأمور التاريخية المذهلة ما سجله التاريخ المصري الحديث عن «صفية زغلول» المسماة بأم المصريين، زوجة الزعيم المشهور سعد زغلول، حيث قادت مظاهرة نسائية كبيرة في عشرينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني وداعية إلى الاستقلال، وفي التظاهرة أعلنت ـ هي ورفيقاتها ـ خلع الحجاب وكأن ذلك جزء من النضال التحرري؛ رغم أنها في الحقيقة بهذا العمل الرمزي إنما تعلن التبعية الثقافية والقيمية للمستعمر الذي تطالب بالتحرر السياسي منه.
إن من المفارقات الغريبة لدى بعض الكتاب والباحثين المشتغلين بالشؤون العامة - الفكرية والسياسية والحضارية - أنك تجدهم يتكلمون بانفعال وصرامة في أمر «التبعية» السياسية والاقتصادية للغرب أو الشرق، وينعون على مجتمعاتهم أو بعض القوى فيها عدم اكتراثها بالوقوف في وجه «التبعية» وفضح آثارها ومخاطرها، ومسها بمصالح المجتمع وكرامته ومستقبله كله، ثم إذا أنت تكلمت مع هؤلاء عن «التبعية الفكرية» ومخاطرها وآثارها ـ بعيدة المدى ـ في مصالح الأمة وشخصية إنسانها ـ وجدتهم يتعجبون من كلامك ويستنكرون عليك منطقك ويتهمونك بالغلو والتطرف، وساموك أبشع ألوان الاستهزاء والسخرية، ثم أرهقوا أذنيك وأعصابك بالحديث عن العالم الذي أصبح قرية واحدة، والتلاقح الفكري، والانفتاح الثقافي... إلى آخره.
ولا شك أن هذه المفارقات تكشف عن غياب الوعي الراشد بجوهر مفهوم «التبعية» وأبعاده المختلفة، واستحالة الانتقاء في الموقف تجاهه، بحيث تقبل التبعية في جانب وترفضها في آخر. إن التبعية رذيلة إنسانية وحضارية بكل أبعادها، وهي مؤشر للانهيار الحضاري، وعقم المجتمع، وانعدام الإحساس بالتميز والكرامة معاً، وتلاشي قوى الأمة وقدراتها الإبداعية، ثم إن المنطق اليسير يؤكد أن «التبعية» - في المجال الفكري والثقافي ـ أخطر بكثير من التبعية في السياسة أو الاقتصاد؛ إذ إن العلاقات السياسية أو الاقتصادية هي مما يتميز باللحظية والتحول، وكثيراً ما تتصل بمصالح مشتركة؛ مما يجعل لها وجه اشتباه ـ لدى العامة ـ في الإحساس بخطر «التبعية» فيها، وبما يؤمل معه القدرة على رفض هذه التبعية أو التخلي عنها في لحظة أخرى. أما في مجال الثقافة والفكر، فالأمر لا يتعلق بلحظة وإنما يتعلق بصياغة الشخصية الإنسانية ذاتها، ومعتقداتها، وقيمها، ومفهوماتها، ونظرتها إلى مختلف شؤون الحياة؛ فإذا حدث اختراق لهذا الكيان فهو تأسيس لشخصية جديدة بمواصفات جديدة يستحيل تغييرها بين لحظة وأخرى، وتكون معالجة الشرخ الاجتماعي - الذي تحدثه - شديدة الصعوبة، كما أن «التبعية الفكرية» هي ـ في الحقيقة ـ التي تمهد الواقع الاجتماعي للتبعية السياسية والاقتصادية، بل إنها هي التي تفقد الإنسان الإحساس بوجود تبعية من أساسها؛ إذ إن الإحساس بوجود التبعية يعود إلى تصور مسبق بأنك كيان متميز غير متمازج أو متماهٍ مع كيان آخر، وأن من حقك على هذا «الآخر» أن يحترم استقلال رأيك وقرارك ومصالحك الاقتصادية وغيرها.
3 - في العالم العربي الآن ـ على سبيل المثال ـ توجهات جديدة مثيرة في النشاط الإعلامي، في مرحلة ما بعد المحلية، أعني في مرحلة البث الفضائي، وهو جزء ـ شئنا أم أبينا ـ من آليات العولمة الجديدة، في المجال التقني على الأقل. هناك الآن في العالم العربي ظاهرة وجود نشاط ملحوظ لعدد جديد من البرامج الإعلامية التي ترسخ قيماً جديدة وخطيرة للغاية في البناء النفسي والعقلي للإنسان المسلم، ولعل الجدل الديني والصحفي الذي احتدم مؤخراً عن برامج «المسابقات» في قنوات تلفزيونية عديدة، يشير إلى أي مدى تجري المحاولات لاختراق المجتمع حتى المؤسسات الدينية لكي توظف في النهاية من أجل دعم توجهات «العولمة» على الصعيد المحلي؛ فهناك الآن برامج تلعب على «دغدغة» مشاعر الناس، والبسطاء بوجه خاص، وترسخ في روح المجتمع فكرة البحث عن «الثراء» السريع والخاطف هدفاً وطموحاً نهائياً، بدون بذل جهد حقيقي، وهي نوع من اللعب بالأوراق أو الأرقام، وبعض هذه البرامج يكون فيها «المقامرة» واضحة، سواء من خلال المقامرة بما يكتسبه المتسابق في مراحل سابقة من البرنامج المعروض، أو فيما يدفعه المتسابقون من أموال للاتصالات بأسعار خاصة، كأن يكون سعر الدقيقة المعتادة جنيهاً فيدفع في دقيقة الاتصال بالبرنامج خمسة جنيهات؛ فالأربعة الأخرى إسهام في مقامرة حقيقية، وعقب ما أصدره بعض العلماء من فتاوى صريحة بأن هذا قمار محرم شرعاً، فوجئنا بمؤسسات «دينية» رسمية تجتمع على عجل وبشكل استثنائي لكي تخرج على الناس، وعلى معالي الوزير، بفتوى تقول إن برامج المسابقات التي يبثها التلفزيون الرسمي حلال ولا شيء فيها.
توظيف المؤسسة الدينية في خدمة توجهات السلطة السياسية هو أمر شائع إلى حد ما في العالم الثالث، وخاصة في النظم القمعية والاستبدادية، ولكن المثير للدهشة الآن أن توظيف المؤسسات الدينية لم يعد يتعلق بالسلطة السياسية ومصالحها مباشرة، بل هو توظيف لخدمة توجهات عالمية تصب في النهاية في خدمة احتكارات دولية كما تصب في خدمة قيم مدمِّرة ومخرِّبة للبناء النفسي والعقلي والاجتماعي في المجتمع؛ لأنها ترسخ معنى أن الحياة «مقامرة» وضربة حظ، وأن العمل الجاد والصبور والبناء ليس هو سبيل الثراء، وحينما تترسخ هذه المعاني في مجتمع يعاني ضعف الفعالية الإنتاجية أصلاً، ويعاني اختلالات هيكلية في اقتصادياته، فإن الأمر يكون أكثر تدميراً. والمثير للدهشة أن يتم هذا التدمير بمباركة مؤسسات دينية، وبصمت مذهل من نخب ثقافية تزعم الاستنارة والتحرر ومقاومة التبعية.
الحادثة السابقة هي ـ بلا شك ـ وجه من وجوه العولمة في بُعدها الإعلامي، وإن كانت تكشف عن «توظيف» كل شيء لخدمة مخططات العولمة، بما في ذلك المؤسسات الدينية.
4 - والعولمة ـ على الصعيد الثقافي والقيمي ـ تستغل بعض المؤسسات الاجتماعية النسائية أيضاً لتمرير مشروعاتها ونسقها القيمي؛ بحيث تجري عملية تضليل للأولويات الاجتماعية؛ فتجد بعض الجمعيات النسائية في العالم العربي تخدم مخططات تخريبية في أوطانها لحساب قوى أخرى أجنبية دون أن تدري؛ بسبب الغفلة والبحث عن «الأصداء الإعلامية» العالمية لنشاطاتها المتحررة في بلاد العالم الثالث. وعلى سبيل المثال توقفت أمام خبر «معتاد» في صحيفة خليجية، والخبر يتعلق بنشاط بعض المنظمات النسائية في بلد عربي خليجي، وكان عنوانه يتحدث عن جهود لوضع صيغة قانونية صارمة من أجل تأخير سن الزواج للفتاة المسلمة في هذه الدولة؛ بحيث لا تقل عن ثمانية عشر عاماً، وكذلك تأخير سن الزواج للشباب. والذي يقتلك غيظاً وكمداً أن هذه الدولة تعرف ـ حسب الإحصائيات ـ واحدة من أعلى نسب العنوسة بين الفتيات!! ومع ذلك تأتي منظمة نسائية لكي تتجاهل هذه الحقيقة المرة والمخيفة والمتعلقة بصميم بنية المجتمع وسلامته النفسية والأخلاقية والدينية لكي تحارب من أجل إصدار قانون لا يمثل أية أولوية اجتماعية أو نفسية في هذا البلد على الإطلاق؛ وإنما هو تقليد أعمى لتصورات وأولويات بلاد أخرى وشعوب أخرى لها نسيج اجتماعي مغاير تماماً لطبيعة مجتمعاتنا، ولها منظومة قانونية وأخلاقية مختلفة عن منظومتنا التشريعية والأخلاقية، ولو كان هناك إخلاص وعقل وتجرد للمصالح الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا، لكان عكس الدعوة السابقة هو المطلب الملحّ مع وضع البرامج التربوية والنفسية المعينة عليه والموجهة له؛ أي أننا في حاجة إلى تبسيط الزواج وسبله بالنسبة للفتيات والشباب على السواء، وإلى خفض سن الزواج بالنسبة للاثنين بحيث تجد الفتاة والشاب فور بلوغهما ما يروي فطرتهما التي يشعل شياطين الإنس من حولهما جذوة نيرانها في كل موطئ قدم يطؤونه أو مكان يتلفتون إليه، في الشارع والمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والإعلان والموسيقى والأغنيات التي تتبارى الآن في مستوى الخلاعة والتماجن، والبرامج الإباحية المتسترة في ثوب التثقيف الجنسي والاجتماعي، والروايات والقصص التي ينشرها مرضى وشواذ ومهووسون جنسياً. سيل عجيب ومتوالٍ يحاصر الفضيلة والعفة، ويعكر صفو الخاطر ويلوث الفطرة، ويدمر قيمة الحياء وبهاءها، بل وجدنا من يكتب أو ينشر أو يذيع برامج لمعالجة ظاهرة الحياء عند الفتاة أو الشاب، معتبراً ذلك مرضاً نفسياً لا بد من مقاومته، وإنما الصحة والعافية في التبجح والصفاقة وقلة الحياء. في مثل هذه الدوامات تكون الدعوة إلى حرمان الفتاة من حقها الفطري والإنساني في الحياة الزوجية الهانئة جريمة في حقها واعتداءً على حقها الإنساني، ولكن الذي لا يُذكر في الخبر وفي الواقعة أن معظم هذه «التوابل» السابقة التي أشرنا إليها أصبحت «صناعة» ولا بد لها من سوق، وحينما تتشكل مؤسسة الزواج بشكل فطري وطبيعي؛ فأين تكون أسواق بضاعة الجنس بمختلف صورها وأشكالها في الموسيقى والأفلام والبرامج والمجلات والقصص والأغاني والإعلانات وغيرها؟! فضلاً عن الأهداف غير المباشرة والمتمثلة في تدمير إمكانات المقاومة في نسيج المجتمع لأية قيم وافدة، وتحويل «الشهوة» والإشباع المادي إلى أن يكون هو الهدف وهو الغاية وهو الحياة؛ ومن ثم: توسعة سوق التجارة العالمية الجديد.
5 - من المهم ـ في هذا السياق ـ أن نوضح بعض المداخل المهمة التي يتخذها مروجو «العولمة» سبيلاً إلى «تهيئة» العقل والوجدان الإنساني لقبولها، ولعل من أبرز هذه المداخل مقولة: «العالم أصبح قرية واحدة»، وهي أصبحت محور الرسالة الإعلامية الجديدة التي تقابل الإنسان العربي والمسلم الآن في الصحيفة والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني وغير ذلك، وأصبحت هذه العبارة اللطيفة الظريفة إحدى بوابات التخريب القيمي في مجتمعات المسلمين، والعالم الثالث بوجه عام، بل هي ـ في تقديري ـ أحدث أنواع المخدرات الثقافية التي تستخدم لشل طاقات النقد والتمحيص تجاه الوافدات الفكرية والقيمية التي تتسلل إلى ديار المسلمين عبر أكثر من منفذ ووسيلة، فإذا أراد بعض «المستوردين» أو الوكلاء المحليين للتيارات القيمية والأدبية الأجنبية أن يسوِّقوا بضاعتهم المستوردة في مجتمعاتنا، على ما فيها من إباحية أو شذوذ فكري أو فساد عقَدي ـ فتجدهم لا يكلفون أنفسهم عناء بذل الجهد الفكري والمعرفي المخلص لنقد هذا الجديد، وطرح المسوِّغ الموضوعي لتمريره بين الناس، على ما فيه من خطر بالغ، وإنما يكفيهم أن يصكوا وجهك بالعبارة السحرية: «يا أخي! إن العالم أصبح قرية واحدة»! بمعنى: إنك لا تستطيع أن تعزل نفسك عن مجريات العالم وتياراته، وعلى الرغم من معقولية منطلق هذه العبارة، فإن ترجمة الموقف المترتب عليها هو الذي يحمل الخبث والتضليل؛ فالعالم تتقاطع المؤثرات العالمية فيه، وتمرر الكثير من هذه التيارات عبر أجهزة الاتصال الحديثة التي تطوي المسافات بل وتلغيها، إلا أن هذا الاختراق التقني لا يمكن بحال أن ينفي خصوصيات الشعوب، ولا أن يدمر بنيان القيم، ولا أن يزلزل ثبات المعتقد والدين، ولا أن يبدل المقومات الأساسية للمجتمع، أي مجتمع؛ ولذلك تجد أن الدول الأوروبية ذاتها ـ التي سوَّقت لنا هذه العبارة الرشيقة ـ تتخذ أحياناً من القوانين والإجراءات ما يقطع بفساد قصة: «العالم الذي أصبح قرية واحدة»، كرفض السلطات الفرنسية السماح للعرب المهاجرين باستخدام أجهزة البث الفضائي «الدش» في بعض المناطق، ومصادرة السلطات السويسرية لبعض كتب روجيه جارودي، ومصادرة السلطات البريطانية لكتاب عن «مارجريت تاتشر» أو فيلم عن المسيح رأت أنه مغرض ومسيء، ومصادرة السلطات الفرنسية لكتب سيد قطب وأحمد ديدات، ثم تراجعها عن بعض ذلك، وموقفها من الحجاب، ومن استعمال كلمات غير فرنسية لمحلات ونحوها، كما أن التجوال في العالم المعاصر يؤكد لنا بالبرهان الحي ـ أنه على الرغم من الجبروت الإعلامي عابر القارات، فإن طبائع الشعوب وخصوصياتها، الثقافية والدينية والخلقية تبقى متمايزة، بمعنى أن الصمود ممكن، والحفاظ على الهوية يرتبط بإرادة الشعب الذي يرفض الذوبان فيما يصنعه الآخرون، وأن العالم يبقى ـ على الرغم من كل شيء ـ ثقافات وهويات، وليس هوية واحدة، وليس قرية واحدة، ولكن الإلحاح ما زال مستمراً على تمرير هذه المقولة في أوساط النخب الثقافية والإعلامية في بلادنا، بل تسللت إلى أحاديث رجل الشارع.
6 - كيف يمكن أن نتفاعل مع «العولمة» في المجال الإعلامي؟..
من دون مبالغة يمكننا القول أن أهم المكتسبات التي حققتها العولمة لشعوب العالم وأعظمها هي تلك التي تكونت على الصعيد الإعلامي؛ حيث إن ظهور شبكة الإنترنت الرهيبة مثَّل انقلاباً كبيراً في معنى التواصل الإنساني، ومعنى الحوار، ومعنى الرسالة الإعلامية العالمية، كما أن ظهور البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني أتاح فرصاً مدهشة للتواصل الإعلامي الفعال مع كل إنسان في العالم، وبشكل لم يتصوره الناس من قبل. وكذلك تخفيف حساسيات الدولة القومية من وجود النشاطات الإعلامية والإنسانية الأجنبية على أراضيها جعل هناك مساحة واسعة من الحركة والتفاعل الإنساني بين الصوت الإسلامي والإنسان المعاصر في غير ما مكان من عالم اليوم. والذي لا شك فيه أن هذه الآليات هي نتاج تغوُّل فكرة العولمة، والبحث عن وسائل لاختراق الحدود أو تجاوزها وبسرعة توصيل الرسالة الفكرية والإعلامية المراد توصيلها إلى كل إنسان على وجه الأرض وبسرعة فائقة. وقد نجحت بلا شك المؤسسات الإعلامية الدولية في الاستفادة من هذه الآليات بما يخدم مصالحها، وقد وصل جزء كبير من الفساد عن هذا الطريق إلى الإنسان المعاصر في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص، ولكن بالمقابل فإن هذه الآليات قد أتاحت قدراً مدهشاً للحركة أمام النشاط الإسلامي الإعلامي والثقافي، ويكفي أن نشير إلى أن غالبية المواقع العربية على شبكة الإنترنت هي لمؤسسات إسلامية صغيرة أو كبيرة أو حتى شخصية، واستخدامات البريد الإلكتروني وساحات الحوار ونحو ذلك خير شاهد على هذه الحقيقة.
هناك أيضا المئات بل الآلاف من الإصدارات والمجلات والصحف الإسلامية التي تبث الآن عبر الإنترنت وتصل إلى أنحاء العالم كافة مخترقة حواجز رهيبة كان من العسير عليها في السابق اختراقها مهما أوتيت من قوة وقدرة مالية أو غيرها؛ بل إن شــبكة الإنترنت أعطـت الجهاد الشـــيشاني ـ على سبيل المثال ـ إمكانية الصمود أمام آلة الإعلام الروسي الجبارة، وأصبح موقع المجاهدين على الشبكة أحد أهم مصادر وكالات الأنباء الدولية عن الأوضاع في الشيشان، وكذلك مصدراً مهماً للصحف والمجلات، ولو كان هذا الأمر قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لما شعر أحد بالمعاناة الشيشانية ولتم دفنها كما دفن الجهاد الكشميري زمناً طويلاً قبل أن يبدأ في التواصل مع العالم الخارجي.
إن شبكة الإنترنت ساعدت على إحياء معاني كبيرة وجليلة في الحالة الإسلامية، وفي مقدمتها معنى «الجسد الواحد» للأمة إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ورغم كل المكتسبات التي حققتها الصحوة الإسلامية من خلال الاستفادة من شبكة الإنترنت، فإن هناك مجالات رحبة وواسعة يمكنها استغلالها بشكل أفضل؛ ومن ذلك إنشاء صحف يومية مختلفة وقنوات إذاعية وتلفزيونية عبر الشبكة. ومما يبشر بالخير أن نجد الكثير من الشباب الإسلامي متميزاً للغاية في خبرة التعامل مع التطور التقني والمعلوماتي الجديد بصورة تبهج النفس، ويبقى حضور الأفق الجيد الذي يرسم خريطة الحالة الإسلامية؛ ومن ثم يرصد احتياجاتها، ثم يحدد الطرق والوسائل التي يسد بها هذه الاحتياجات من خلال هذا المنفذ الجديد والمثير.
أيضاً على صعيد البث الفضائي، أعتقد أن هذه نافذة مهمة للغاية، وما زال الإسلاميون عاجزين عن الاستفادة منها. صحيح أن هذه الخدمات تحتاج إلى إمكانيات مادية أعلى بكثير من تلك التي يحتاجها العمل من خلال الإنترنت، إلا أن الإسلاميين لا يهتمون بتدريب الكفاءات الفنية التي يمكن لها تحريك عمل مثل هذا مستقبلاً، كما لا يوجد ـ في حدود علمي ـ جهود حقيقية لدراسة الإمكانيات الفعلية لتحقيق هذا الطموح، وفي تقديري أنه إذا نجحت الدعوة الإسلامية في اختراق هذه الآلية الجديدة للتواصل مع القواعد العريضة من الناس فإنها ستربح كثيراً من الوقت والجهد وتقفز بالدعوة قفزات كبيرة. وقد لمست ذلك بنفسي من خلال تجربة محدودة في العمل من خلال إحدى القنوات الفضائية الإسلامية، ولمست كيف يمكنك أن تصل إلى الملايين من أقصر طريق وبأفضل تأثير، وأذكر أن أستاذًا جامعياً إسلامياً في مصر، ظل على مدى أربعين عاماً يكتب في الشأن الإسلامي وفي الدعوة والتنمية وغيرها، فلم يعرفه ويعرف دعوته إلا نفر قليل، ثم ظهر في برنامج تلفزيوني لعدة حلقات وكان موفقاً فيه فأصبح يتابعه الملايين وتحول إلى نجم جديد وكبير، وأفردت له صحيفة الأهرام المصرية ـ أكبر صحيفة مصرية وربما عربية ـ صفحة كاملة كل أسبوع يكتب فيها ما يشاء. وكذلك فإن الحضور المتتالي لبعض الرموز الدعوية ممن أثاروا جدلاً واضطراباً بفتاواهم، يعود بشكل مباشر إلى نجاحهم في استثمار البث الفضائي والحضور الجيد من خلاله، في حين لم ينجح ـ وربما لم يتحمس ـ آخرون فخسروا الكثير من تأثيرهم الدعوي، كما خسر جمهور الناس إمكانية الاستماع والتواصل مع الرأي الفقهي الآخر.
7 - الذي لا شك فيه أن «العولمة» هي نوع جديد من أنواع الاستعمار فيه كل ما في الاستعمار القديم من صفات، وله ما لسَلفه من الأهداف والغايات، غير أنه طور نفسه مستغلاً آليات حديثة مدهشة، واستفاد من دروس الماضي حين أخفى مخالب الاستعمار القاسية تحت ألفاظ ناعمة: كالتعاون، والشراكة، والتعاون المتبادل، وحشد ـ إلى جوار القوة العسكرية ـ هيمنة المال والاقتصاد والتقنية الحديثة ووسائل الثقافة والإعلام، وأسباب التسلية والترفيه. وهذه الهجمة الكاسحة ـ على مناطق الضعف والفراغ ـ سوف تُحدث أثرها دون شك، لكن ذلك سوف يكون لمدى محدود، يطول أو يقصر وفقاً للظروف، وبالأساس وفقاً لقدرات الشعوب على المقاومة والمحافظة على استقلاليتها، وقدرتها على حفظ هويتها وصلابتها في الصمود أمام تيارات الإغراق الإعلامي والثقافي والاستهلاكي التي تهجم عليها من كل جانب. ونحن على يقين من أن العولمــة ـ بقدر ما يظهر عليها من علامات القوة والسطوة ـ فإنها تحمل معها بذور ضعفها وانهيارها، ومن شأن هذه البذور أن تزداد نمواً كلما اتسعت الدائرة وتعددت مناطقها ومساربها؛ وأهم نقاط الضعف أنها نظام مادي صِرف يقوم على الجشع والسيطرة والاستغلال، وشهوة الكسب، ويثير أكثر الميول وضاعةً في النفس الإنسانية: ميول التقليد الأعمى، وتخدير العقل حقيقة أو مجازاً، وعشق المظاهر، والتبذير، واعتماد الانتهازية في السلوك والكسب، والعمل وفق منطق «الحظ والمصادفة»، والاستسلام للشهوات، وبتعبير آخر: إطلاق الوحش البدائي الذي يسكن أعماق الإنسان، وتحطيم تلك الكوابح الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء، أو حتى تلك البقايا الأخلاقية التي تحدث بها فلاسفة وحكماء، ومن شأن هذه الميول أن تزداد ضراوة كلما اشتدت التناقضات التي تفد مع المادية كالطبقية والظلم الاجتماعي، وتفاوُت الدخول، وغَلَبَة الاستهلاك على الإنتاج، وفي غيبة التدين وانحسار القيم والأخلاق تصل هذه التناقضات ذروتها في موجات العنف، والإرهاب، والتصدعات الاجتماعية العنيفة، والحروب الأهلية، وتقع الصورة التي حذر منها القرآن الكريم أمثال هذه المجتمعات: {قّدً مّكّرّ پَّذٌينّ مٌن قّبًلٌهٌمً فّأّتّى پلَّهٍ بٍنًيّانّهٍم مٌَنّ پًقّوّاعٌدٌ فّخّرَّ عّلّيًهٌمٍ پسَّقًفٍ مٌن فّوًقٌهٌمً $ّأّتّاهٍمٍ پًعّذّابٍ مٌنً حّيًثٍ لا يّشًعٍرٍونّ} [النحل: 26]، ويبقى أن يبذل المخلصون من أبناء هذه الأمة جهدهم الدؤوب والصبور من أجل التبصير بالمخاطر، وحماية الناشئة، والتميز والإبداع في بث القيم الراشدة وبالأسلوب المناسب عبر الآليات الجديدة؛ فكل هذه الجهود من شأنها أن تثمر ـ بإذن الله ـ في جعل أمتنا عصية على «التنميط» والتبعية؛ ومن ثم بعيدة عن دوامات العولمة، على الأقل في جانبها العقدي والقيمي.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:02 am

الإسلام و العولمة


لاشك ان الدراسات المتعلقة بالمستقبل، أصبحت تشغل الجامعات ومراكز البحث في العالم أكثر من أي وقت مضى. ولم يعد القائمون على التخطيط للتنمية والاستثمار يقفون عند دراسة التاريخ في الماضي والتفكر في الحاضر، ولكنهم إضافة إلى هذا يستشرفون المستقبل باحثين عن بدائل احتمالاته وإعداد العدة للتعامل معها. ونتيجة لهذا، فإنهم يحسنون استثمار الزمن أولاً، كما يحسنون استثمار الطاقات البشرية والمادية، على السواء. ولذلك فهناك العديد من الدراسات والابحات يقوم بها العديد من الباحتين متعددة الاعراض ولكنها هي في نهايه تخدم الانسان والانسانيه
ومن أهم ما يطل على الساحة العالمية، ويشغل بال علماء الاقتصاد والاجتماع والتربية والسياسة في الوقت الحاضر ما يشار إليه ب "العولمة". وهي توجه جديد يبدو أنه سينضمّ إلى جملة المؤثرات المعاصرة على مستقبل العالم بعامة والعالم الإسلامي بخاصة.
لذلك، لا بد أن يكون الحديث عن "موقف الإسلام من العولمة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والأمن". ويقتضي المنهاج العلمي أن أبدأ بتحديد مفهوم "العولمة"، وهو مفهوم لم يتفق عليه بعد بين العلماء والباحثين. ومن ثم فإنني سوف أجتهد في تحديد هذا المفهوم، مشيراً إلى أن اجتهادات المثقفين تختلف بالنسبة للعولمة المعاصرة. وانا هناء اجد نفسي اميل الي الاتفاق الي البعض من اطروحات الباحتين في قضابا العولمه والاسلام واتفق الي وجهات نظر متعددة حول العولمه فنجد فريقاً يراها - بما امتطت من تقانة متقدمة وإعلام غلاّب - تهدد هويتنا، ومن ثم ينبغي أن توصد الأبواب والنوافذ دونها، وأن نرفضها كلا وتفصيلاً.
ويرى فريق آخر أنها بشير تقدم ورقي. وكيف لا وهي آتية من مجتمعات متقدمة، وتمتطي أحدث ما وصل إليه العصر من أساليب الاتصال وتقانته، ومن ثم ينبغي أن نفتح لها الأبواب والنوافذ، وأن نغتنم الفرصة بالأخذ بمعطياتها لإفادة الأمة الإسلامية من ثمراتها.
وهناك فريق ثالث يرى أن نأخذ منها المفيد ونتقي شر ما تأتي به من مثالب. وأمام هذه الرؤى المختلفة والمتعارضة - أحياناً - نرى أهمية فتح حوار عن العولمة، لعلنا نصل فيها إلى كلمة سواء.
أولاً: مفهوم العولمة: سوف نعرض هنا مفهومين للعولمة:
الأول: أشير إليه بمفهوم "العولمة كما ينبغي أن تكون" وهو تصور للعولمة التي يتكافأ فيها الشمال مع الجنوب.
الثاني: أسميه "المفهوم المعاصر للعولمة" وسوف أحاول استقراءه من واقع التطبيق الفعلي المعاصر للعولمة.
أ- مفهوم العولمة كما ينبغي أن يكون:يمكن فهم "العولمة" - على وجه العموم - من الناحية الاصطلاحية بأنها حركة تهدف إلى تعميم تطبيق أمر ما على العالم كله.
فمثلاً عبارة "عولمة تنقية البيئة" تعني جعل البيئة في جميع أنحاء العالم، بيئة نظيفة ومناسبة، لأن تحيا الكائنات الحية فيها حياة صحية. وتعني عبارة "عولمة الاقتصاد" جعل الاقتصاد في جميع أنحاء العالم يتبع النظام نفسه، ويطبق الأساليب ذاتها، ويستخدم آليات بعينها، لصالح جميع الشعوب دون تمايز بينها. وتعني عبارة "عولمة السلام" أن تتعاون جميع الدول لحفظ السلام في العالم، كما تتعاون على قتال المعتدين. وهذا المفهوم يستتبع استفساراً مهما عن إجراءات الأخذ بهذه العولمة. فهل تتبنى مختلف دول العالم هذه "العولمة" اختيارًا، بمعنى أنها تستشار في صياغة أسسها، وتخطيط أساليبها، وتحديد آلياتها، وأنها تتمتع بالحرية المطلقة في قبولها أو رفضها في النهاية؟ إذا كانت إجابة الأسئلة السابقة "نعم" فإن العولمة حين تسود جميع دول العالم، فإنّ هذا يكون بناء على اختيار حر وإرادة مستقلة منها. وتكون العولمة بذلك ظاهرة صحية.
ويمكن تطوير مفهومها ليكون: حركة قامت على اختيار جميع دول العالم اختياراً حراً، لتعميم تطبيق أمر ما عليها جميعاً، دون تمايز بينها.
وحيث إن العلم الحديث والتقانة المتقدمة هما مطية العولمة، ومع مراعاة التعددية الثقافية والخصوصية الدينية والحضارية للشعوب، وسعياً إلى تحقيق الأمن والرفاه والسلام للجميع، يمكن أن ننتهي إلى تحديد مفهوم "العولمة كما ينبغي أن تكون" على النحو التالي:
توظيف التقدم العلمي التقاني المعاصر، لتحقيق الأمن والسلام العالميين، والسعي لتحقيق الرفاه لجميع دول العالم، وبناء علاقات هذه الدول على أساس التعامل مع التعددية الثقافية، والخصوصية الدينية والحضارية.
ب- مفهوم العولمة المعاصرة:
باستقراء التاريخ يتبين أن العولمة المعاصرة ليست جديدة، ولا هي وليدة وقتنا الحاضر. فهي ظاهرة نشأت مع ظهور الإمبراطوريات في القرون الماضية. ففي السابق حاولت الإمبراطوريات -مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية- أن تصبغ الشعوب التي تبسط نفوذها عليها بثقافتها، وتسعى لترسيخ هذه الثقافة في مختلف جوانب حياة هذه الشعوب. وقد عملت هذه الإمبراطوريات لتوجيه قيم هذه الشعوب وتقاليدها وحضارتها، وفق أنماط الحياة التي تريدها. فكانت هذه الخطوة نحو العولمة.
وقد لبست هذه العولمة عدة أثواب أخرى، منها الثوب العسكري ومنها الاستعمار، ومنها استنزاف الموارد، فقد قام الشمال باحتلال بلاد الجنوب متعللاً بشتى الأسباب، وعن طريق هذا الاحتلال تحكم في مقدرات البلاد واستنزاف مواردها، وغرس ثقافته فيها، وكانت هذه خطوة أخرى نحو العولمة. واليوم، وقد تفوق الشمال على الجنوب بما حاز من علم وتقانة، وبما امتلك من وسائل الدمار الشامل، أصبح الشمال مصدر الإنتاج في مختلف المجالات، وأصبح الجنوب مستهلكاً لهذا الإنتاج. ولكي يقنن الشمال هذه العلاقة، أطلق نداءه بالعولمة وأخذ بأسباب تحقيقها في مختلف الميادين. وينظر البعض إلى العولمة المعاصرة، بأنها:
آليات اقتصادية وأسواق عالمية، وجدت إطارها المقنن في اتفاقية التجارة العالمية، التي تضع الاقتصاد أمام الإنسان، وتهدر سيادة الدولة ومصلحة الفرد لحساب السيطرة الاقتصادية، ومن ثم فلابد من أن تتصادم مع التراث الثقافي لمختلف الشعوب، نظرا إلى أنها تنزع إلى صياغة ثقافة كونية تهدد الخصوصية الثقافية للمجتمعات.
وينظر آخرون إلى العولمة المعاصرة بأنها:
هيمنة المفهوم الغربي، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، على العالم. ومن ثم فإنها تفرض على الآخرين - ليس فقط ما يتعلق بتخطيط التنمية، وإنشاء البنى التحتية والخدمات الأساسية - ولكن تتعدى هذا إلى البنى الثقافية والحضارية.
ومن هنا يمكن أن يحدد مفهوم العولمة المعاصرة بأنه:
سعي الشمال عن طريق تفوقه العلمي والتقني للسيطرة على الجنوب تربوياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، بدعوى مساعدته على التنمية الشاملة وتحقيق العدالة في الاستثمار والرفاه للجميع.
وعلى الرغم من أن هذا التعريف يوضح النظرة الاستغلالية للشمال، إلا أن هناك أساليب كثيرة - لا يتسع المجال لذكرها - يمكن أن يستفيد بها الجنوب من العولمة. فعلى سبيل المثال يمكنه الاستفادة من معطيات التقدم العلمي التقاني الذي تستخدمه العولمة، في توسيع خطواته نحو التقدم. كما يمكنه أن يستنهض قدراته الذاتية، وأن تتضامن مجتمعاته في مواجهة تحدياتها، وفي توجيه القرارات الدولية الوجهة السليمة.
ثانياً: النظام السياسي بين الشورى والديمقراطية:

إن هدف العولمة المعاصرة، هو التمكين للنظام الديمقراطي على النمط الغربي، من حيث الأخذ بالتعددية، وإعطاء فرص لحرية التعبير، وإبداء الرأي من خلال قنواته. والنظام الديمقراطي كما يطبقه دعاة العولمة عليه مآخذ كثيرة، منها أنه في غالب الأحوال لا يمكن من الحكم إلا لفئة معينة، ويتحكم في الانتخابات فيه: رأس المال، والقبلية والنزعات العرقية والعنصرية والنفوذ، وتؤثر في مصداقيته الأمية والدعم الإعلامي.
ولإضفاء الشرعية على إقحام الديمقراطية الغربية في حياة الشعوب الأخرى، ادعى الغرب أن عدم تطبيقها فيه جور على حقوق الإنسان، وحقوق الأقليات. ولا شك أن "حقوق الإنسان" يمكن أن تقرب بين دول العالم، إذا طبقت بموضوعية وتجرد. ولكن حقوق الإنسان - كما يطبقها دعاة العولمة - لم تراع الخصوصية الدينية والثقافية والأعراف الصحيحة للمجتمعات، بل أصبحت وسيلة للتحيز المقيت. فعلى سبيل المثال، حقوق الإنسان - كما تطبق في العولمة - لا تساوي بين حقوق الإنسان الفلسطيني أو البوسني أو الألباني، وحقوق الإنسان اليهودي أو الصربي، كما تسمح في ظل العولمة بالتحيز ضد يهود الشرق في إسرائيل، ولكنها لا تسمح بمقاومة المنحرفين عن نظام المجتمع في الكثير من بلدان العالم.
وبالنسبة لنا نحن المسلمين، فإن لدينا الأفضل والأنسب لحياة البشر جميعاً، وهو نظام الإسلام الذي يقوم الحكم فيه على الشورى والعدل وتطبيق شرع الله. والشورى وسيلة للوصول إلى الرأي الأصوب لأنه رأي الجماعة. والجماعة هنا لا يقصد بها الأغلبية المطلقة، كما هو الحال في النظام الديمقراطي الذي يعتمد على الأغلبية العددية وحدها، ولكن المقصود بالجماعة هنا الجماعة المؤهلة للاستشارة. ومن أهم ما ينبغي أن يتوافر في هؤلاء أن يكونوا ممن يتقون الله في القول والعمل ولا يخشون أحداً إلا إياه، ويعملون على تحقيق منهاجه في الأرض، وأن يكونوا ممن لديهم العلم والخبرة الكافية، فيما يستشارون فيه.
وبناءًا عليه فإن المستشار في الإسلام يصدق الحاكم القول. أما عن مدى صواب ما يشير به، فعلمه وخبرته يؤهلانه - بعد توفيق الله - للوصول إلى الصواب. ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، ولكنه يتحرى الصدق والصواب في كل حال. وجماعة الشورى يذكر بعضهم بعضا، ويتناصحون ويتحاورون ويرجعون إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة فيما استشكل عليهم من أمور. قال الله سبحانه وتعالى عن المسلمين: وأمرهم شورى بينهم (الشورى 38)، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وشاورهم في الأمر (آل عمران، 159).
وفي التاريخ الإسلامي صور من استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين للشورى في اتخاذ القرارات، كما في حفر الخندق في غزوة الخندق، وفي خروج المسلمين في غزوة بدر لمقابلة الكفار، وفي معاملة أسرى بدر.
ويعتمد العدل في الإسلام على المنهاج الشرعي وعلى تطبيق الحدود. أما المنهاج فهو شريعة الله… وقد قامت الشريعة على العدل مع النفس،وداخل الأسرة وفي ساحة القضاء، وعلى مستوى الرعية، وحتى مع المخالفين في العقيدة، ومع من نحبهم ومن نكرههم. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (المائدة ، Cool وقال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون> (النحل،90). وقال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل> (النساء، 58).
وتطبيق الحدود من الدعائم المهمة لتحقيق العدل في الإسلام، ومن أهم أسس استقرار الحياة في المجتمع المسلم. قال تعالى: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (البقرة، 179). وقال تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له (المائدة، 45).
وبيّن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قواعد للعدل والمساواة ستظل نبراساً يستضيء به طلاب العدل ومريدوه على مر الأزمان. وذلك حين جاءه من يشفع في حد من حدود الله، فأقسم بالله أن لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها. وقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم لآدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (متفق عليه)
وقد ضرب الحكام المسلمون أمثلة للعدل مع النفس ومع أبناء الرعية المسلمين وغير المسلمين. فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحكم لنصراني من مصر بضرب ابن عمرو بن العاص واليه على مصر قصاصا منه. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقاضي نصرانياً أخذ درعه - وهو أمير المؤمنين - فيحكم القاضي للنصراني بالدرع، لأن أمير المؤمنين ليس عنده بينة.
وولي الأمر الذي يحكم بشرع الله المؤسس على الشورى والعدل، له واجب الطاعة على المسلمين. قال تعالى: يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (النساء، 59).
ويبين أبو بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه قواعد العلاقة بين الحاكم المسلم والمحكومين في كلمات بالغة الدلالة بقوله: « إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم». وقال عن ذلك الإمام مالك: «لا يكون أحد إمامًا إلا على هذا الشرط».
وهكذا كانت مبادرة الرعية إلى إبداء النصح واجبة عليهم بمقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبادرة ولي الأمر إلى طلب المشورة من أهلها واجبة عليه، للاستدلال على حكم الله ورسوله من النصوص الشرعية المتعددة، وللاجتهاد فيما سكتت عنه النصوص.
ومع أن التطبيق الديمقراطي -الذي تبشر به العولمة - يستند كما نعلم إلى دساتير وقوانين وضعية، فإن من أهم سمات الشورى في الإسلام أنها تنبع من عقيدة الإسلام وشريعته. وهذا يعني أن الشورى لا يمكن أن يتغلب فيها حزب على حزب أو جماعة على جماعة لمجرد الكثرة العددية، ولكن يكون التقويم المبدئي للرأي من حيث التزامه بالعقيدة وانطلاقة من الشريعة، ثم يأتي بعد هذا الأغلبية العددية.
أما في الديمقراطية، فإن مرجعية الحرية والعدالة فيها تتأثر بعوامل سياسية وحزبية واقتصادية وإعلامية.
والشورى في الإسلام تتيح للجميع الحوار الحر ومناقشة الحجج والمبررات التي توضح أن قرارا ما أكثر التزاماً بمبادئ الحق والعدل، كما تبين مدى توافقه مع مقاصد الشريعة وأصولها ومبادئها. أما في الديمقراطية فإن الفرد ليس ملزماً بإبداء الرأي، وقد يتعمد الغياب عن التصويت أو حجب صوته لأن هذا يحقق مصلحة انتمائه السياسي أو مصلحة فردية.
ومحور الفكر السياسي الذي تبشر به العولمة هو تحكيم الأغلبية العددية، أي عدد الأفراد الذين ينحازون إلى رأي معين. أما الشورى الإسلامية فإنها تجعل الأولوية للعقل والفكر وليس للعدد وحده. فالأغلبية العددية يمكن الحصول عليها لأسباب كثيرة عارية من الشفافية كما سبق أن بيناه، ونشاهد أمثلة لهذه كثيرة في داخل العالم الإسلامي وفي خارجه.
ومع هذا كله وعلى الرغم من مزايا نظام الإسلام، فإن العولمة المعاصرة لا ترضى به بديلاً عن الديمقراطية، لأنهم يهدفون إلى صبغ العالم كله بصبغة معينة هم مخترعوها، وهم الذين يدعمونها لتحقيق أهدافهم.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:05 am

ثالثاً: السلام بين الإسلام والعولمة :


إن الدعوة إلى السلام في العالم هي دعوة الإسلام، قبل أن يوجد نظام العولمة، وقبل أن تلتزم دول العالم بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة سنة 1948م بعدم الاعتداء وبحل المنازعات بينها بالطرق السلمية، فقد أمر الله المسلمين أن يتجهوا إلى السلم إذا رأوا من أعدائهم ميلا إليه، ودعا إلى الاستجابة لدعوة السلام إذا صدقت نية الطرف الآخر في التوصل إليه، يقول تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله (الأنفال، 61) وينبه الله المؤمنين إلى الحذر من خديعة العدو: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (الأنفال، 62) فالإسلام بذاته دعوة للسلام، السلام داخل المجتمع الواحد، والسلام بين المجتمعات المتعددة والمختلفة الأعراق واللغات والثقافات والعقائد.
ولم يرد لفظ الحرب في القرآن الكريم مقرونا بالدعوة إليها أو تمجيدها، بل جاء ذكر الحرب بأوزارها حين تفرض على المسلمين: حتى تضع الحرب أوزارها (سورة محمد،4) وقال تعالى في وصف الخارجين على المجتمع والذين يروعون الناس بغير حق ويجترئون على أحكام الشرع بأنهم يحاربون الله ورسوله (المائدة، 33) وهكذا لم يجعل الإسلام الحرب - وهي ظاهرة اجتماعية قديمة في التاريخ - وسيلة لتحقيق الخير أو حتى النفع الحقيقي للإنسان، واستبدل الإسلام بالحرب مفهوماً أسمى وأرقى هو مفهوم الجهاد، وهو مفهوم يتسع لبذل الجهد في مقاومة كل شر وعدوان، بدءاً من شرور النفس وانتهاءً بدفع العدوان وطلب تحقيق العدل والإحسان على الأرض وعلى الناس والجهاد ليس حرباً يشنها المسلمون على غيرهم بدافع السيطرة ومد السلطان وإذلال الآخرين واكتساب المغانم، إن الجهاد في الإسلام له مفهوم ينفي العدوان وينكر التوسع والسيطرة للاستعلاء على الناس بالقوة، وهو لا يبيح للمسلم أن يعرض نفسه للهلاك أو يقصد إهلاك غيره إلا وفق قيود الشرع، التي تحدد أسباباً يكون فيها الجهاد ويكون فيها القتال مشروعاً، فالإسلام لا يعرف الحرب التي يكون الباعث عليها مجرد العدوان وطلب المغنم، والتي يحتكم فيها إلى القوة وحدها، وإنما يعرف القتال دفاعاً عن النفس وعن الدين وعن جماعة المسلمين إذا حيل بينهم وبين عبادة الله وحده والدعوة إليه.
إن مفهوم الجهاد في الإسلام يستلزم أن تكون الحرب مشروعة، ومشروعية الحرب لا تتأتى بحسب أحكام الشرع الإسلامي إلا في حالات محددة، ووفق ما يجيزه الشرع من إجراءات لإعلان الحرب، وتحديد مداها وأثرها وتقييده لشرورها.
إن الحرب قد تكون للدفاع عن النفس، يقول الله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (البقرة، 109) ولنقض المعاهدات ونكث العهود، والكيد للإسلام والمسلمين. يقول سبحانه وتعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (التوبة، 12) وإن فتنة المسلمين عن دينهم والسعي بالفساد بينهم وتهديد سلامة المجتمع والدولة الإسلامية مما يجيز القتال درءا للفتنة، يقول الله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (البقرة، 193).
ولم تخرج غزوات المسلمين والحروب التي خاضوها في العهد النبوي وعصر الخلفاء الراشدين عن هذه الحالات داخل شبه الجزيرة العربية أو خارجها: مع اليهود في داخل شبه الجزيرة أو الروم والفرس خارجها.
هذا هو مفهوم الجهاد في الإسلام، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم الحرب بمعناها الواقعي قديماً وحديثاً، فمفهوم الجهاد يجعل السلام هو الحالة الدائمة والثابتة في علاقة المسلمين بغيرهم، ولا يكون القتال إلا الاستثناء الذي يجب أن يتوفر سببه وحكمته.
ويوجب الله حتى في حالة الجهاد والحرب المشروعة، أن تكون الحرب معلنة، وليست غدراً بالآمنين والمسالمين، وأن يقلل من شرورها، لقد نهى عن قتال من لا يقاتلون من الشيوخ والعجزة والنساء والأطفال والرهبان المنقطعين للعبادة، وحرم الله صور القسوة والوحشية التي لا مبرر لها، مثل التخريب الشامل للعمران، وحرم أن تنتهك حرمة الآدمي حياً أو ميتاً، كالاعتداء على الجرحى أو الأسرى أو التمثيل بجثث الأعداء، كل ذلك شرع الله مراعاته من قبل المجاهدين، فكان بذلك ما نسميه "آداب القتال" أو قانون الحرب.
إن الجهاد في الإسلام وما يتبعه من قتال، لا يصح أن ينال المدنيين المسالمين، ولا يجوز أن يكون فيه دمار شامل للإنسان أو الأشياء النافعة للإنسان، وهكذا كان الحال في الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، مما لم تتوصل إلى بعضه المواثيق الدولية كمعاهدة جنيف، التي تحمي المدنيين من ويلات القتال، وتحدد حقوق الأسرى والمقاتلين والتي صدرت في عام 1949م.

رابعاً: حقوق الإنسان والعولمة:


لقد أثبتت الحروب الطاحنة التي نشبت في العصر الحديث - وخاصة في القرن الميلادي العشرين - أن إهمال حقوق الإنسان وإهدارها قد أفضى إلى أعمال همجية ووحشية انتهكت حياة ملايين الناس وحريتهم، وكان ذلك من الأسباب التي دعت إلى إصدار ميثاق عالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، وهو ما أشارت إليه ديباجة الميثاق، ومن أهم ما أفرزته "العولمة" في السنوات الأخيرة زيادة الاهتمام بقضية حقوق الإنسان، وخروج هذه القضية من الدائرة الوطنية والداخلية في دول العالم إلى الآفاق الدولية واعتبارها مسألة تهم المجتمع الدولي، ويستطيع أن يتخذ فيها عن طريق منظمة الأمم المتحدة أو الوكالات المتخصصة فيها إجراءات معينة لمراقبة الدول التي ينتشر فيها إهمال أو إهدار لحقوق الإنسان.
إن مفردات حقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو التي وردت في اتفاقيتي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية الصادرتين سنة 1966م عن منظمة الأمم المتحدة، هي حقوق قديمة في الإسلام اكتسبت مصطلحاً جديداً في المواثيق الدولية المعاصرة.إن الحقوق الاقتصادية التي أتاحتها الاتفاقيتان الصادرتان سنة 1966م (وقد عمل بهما اعتباراً من سنة 1977م) تقع غالب مفرداتهما ضمن الحقوق التي منحها الله للفرد في المجتمع المسلم، الذي يتكون وفق الولاية المتبادلة بين أفراده من الرجال والنساء: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (التوبة، 71) ومن بين معاني الولاية النصرة والتعاون وتبادل الرأي والنصيحة، وهناك مبدأ عام في الإسلام يجعل التكافل الاجتماعي سمة ظاهرة فيه فيكون القادر مادياً أو علمياً مسؤولاً عن مساعدة غير القادر لسبب لا دخل له فيه.
في شأن المال تأتي فريضة الزكاة التي تجب على أغنياء المجتمع (وفق ضوابط مفصلة ودقيقة مبسوطة في كتب الفقه) لفقراء المجتمع.
لقد أمر الله تعالى بالزكاة وهي جزء يسير (2.5%) من بعض أنواع المال، يؤخذ من الأغنياء في المجتمع ويرد على الفقراء والمساكين فيه، كما يجري إنفاقه في الأوجه التي تسدّ حاجة من حاجات المجتمع المسلم، يقول الله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل .
فهؤلاء ثمانية أصناف يمثلون في مجموعهم حالات الضعف والحاجة حين تدهم الفرد أو طائفة من الناس في المجتمع.
ويحفظ الشرع الإسلامي حدًا كافياً للمعيشة لكل صاحب رأس مال أو دخل يكفي حاجاته طبقاً لنفقته ولظروفه، قبل أن يفرض عليه كفالة غيره، فما يؤخذ من زكاة إنما يؤخذ من الفائض الذي مضت عليه سنة كاملة دون أن يدخل في نفقات صاحبه، وذلك على النصاب الذي عينه الشرع حتى يجب أخذ الزكاة من المكلف بها. لقد حول الإسلام بتشريع الزكاة على هذا النحو اتجاه المال من أغنياء المجتمع، إلى سداد حاجات الفئات المحتاجة بجميع أنواعها، وقد كان ذلك تحولاً كبيراً عما كان سائداً في المجتمعات قبل الإسلام من اتجاه المال من الفقراء إلى السادة في المجتمع، قال تعالى: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (الحشر، 7).
فالإسلام يمنع أن يزداد الأغنياء غنىً -وقد يكونون قلة في المجتمع ، ويزداد الفقراء - وقد يكونون كثرة في المجتمع- فقراً وبؤساً.
وضمان حق العمل مكفول للفرد المسلم القادر عليه، لأن الإسلام ينهى عن البطالة، ويرفع من شأن العمل والكسب منه حلالاً طيباً، والفرد المسلم يعمل تحت رقابة المجتمع كله، قال تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (التوبة،105) ويعاون المجتمع الفرد على إيجاد العمل المناسب إذا تعسر ذلك على الفرد أو ضاقت سبله. وقد نصح الرسول صلى الله عليه وسلم شخصاً بالاحتطاب، ونصح شخصاً آخر بالاتجار وأسلفه مالاً لكي يبدأ كسب رزقه، وأعد بيده الشريفة آلة العمل لشخص شكا إليه قلة الكسب. وفي أحاديث الرسول صلوات الله عليه وسلامه من العناية والرعاية بالعمل والعامل ما يعد الأساس الشرعي لكافة ما يعطى للعمل والعامل من ميزات بحكم القوانين المعاصرة.
إن العمل لاكتساب الرزق والنفقة على الأهل يكفر الذنوب، كما جاء في الحديث الشريف: «من بات كالاً من عمل يده بات مغفور الذنب» والوصية بالعامل من الهدي النبوي: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
وما ورد في الاتفاقيتين اللتين أصدرتهما الأمم المتحدة سنة 1966م بشأن الحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية هو القليل مما دعا إليه الإسلام.
إن أول ما نزل من القرآن الكريم يفتح أمام المسلم آفاق العلم والتفكير والوصول إلى الحق يقول تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق (العلق، 1) وللعلم شأن كبير ومكانة عالية في الإسلام ومن قرأ القرآن الكريم والحديث الشريف عرف منزلة العلم في الإسلام، وعلو شأنه وحضه عليه، ومن ذلك: قول الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (آل عمران، 18).
وقوله سبحانه: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (الرعد، 19) وقوله تعالى: وقل ربِ زدني علما (طه، 114) وقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء (فاطر، 28) وقوله تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (الزمر، 9) وقوله عزّ وجلّ: " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (المجادلة، 11).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وقال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العمل فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان.
والمسلم مطالب ببذل النصح لغيره من أفراد المجتمع "الدين النصيحة" وعلى المسلم أن يشارك في الحياة العامة بقدر ما يسمح به علمه وقدرته، فأمور المسلمين في المجتمع شورى بينهم، يقول الله تعالى: وأمرهم شورى بينهم (الشورى، 38) وهكذا تتكامل قدرات الأفراد في المجتمع المسلم وتتجمع طاقاتهم، فيكفل الفرد للمجتمع طاقته وجهده بالعلم أو العمل، ويكفل المجتمع للفرد - حين يصيبه العجز أو الضعف - الحق في حياة كريمة، وبذلك يتحقق السلام الاجتماعي.


خامساً: الإرهاب بين الإسلام والعولمة:

وفي السنوات الأخيرة ظهرت قضية الإرهاب، واستأثرت باهتمام المجتمعات والحكومات، وتنبه العالم عن طريق منظماته السياسية والأمنية إلى مخاطر هذه الظاهرة التي شملت كثيرًا من بلاد العالم، ولم يسلم من شرورها سوى مجتمعات قليلة، ومع ذلك وبسبب ظروف سياسية وجهود إعلامية موجهة، حاولت بعض الجهات أن تصل ما بين ظاهرة الإرهاب وما بين صحوة إسلامية بدأت في العقود الأخيرة من هذا القرن الميلادي، ومن المحزن أن بلاداً إسلامية - أوقعتها ظروفها السياسية تحت سيطرة الأجنبي أو سادتها الفتن والقلاقل بسبب العجز الاقتصادي أو التخلف الثقافي أو الفتن الخارجية - تعاني وجود هذه الظاهرة مما ساعد أعداء الأمة الإسلامية على الادعاء بأن الإرهاب له أصل ديني وأنه نتاج الإحياء الإسلامي، مع أن الظاهرة ليست من الإسلام ولا صلة لها بالدين الصحيح، وليست خاصة بالمسلمين بل ربما كانت في بلادهم - مع خطئها وإدانتها إسلامياً - أقل من وجودها وظهورها في المجتمعات غير الإسلامية، كما دلت على ذلك إحصاءات دولية.

في الإسلام ووفق أصوله ومبادئه الكلية يعتبر الأمن من أجل النعم على الإنسان: أمن الفرد على نفسه ودينه وعرضه وماله، وانتفاء الخوف من العدوان على ضروريات حياته وحاجياتها. وفي القرآن الكريم بيان أهمية الأمن وأنه نعمة من الله تقرن بنعمة الطعام الذي يحفظ حياة الإنسان، وأن النعمتين معاً تستوجبان عبادته وحده لا شريك له. يقول الله تبارك وتعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (قريش، 3) ويحرم الله العدوان على النفس الإنسانية، ويجعل القتل العمد من أشد الجرائم إثماً وبغياً، ويبين أن قتل فرد واحد بمثابة قتل للجنس البشري كله، يقول تعالى: أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً (المائدة، 32). ويحفظ الشرع الإسلامي حرمة الجسد الإنساني، فلا يجوز العدوان عليه ولا إتلافه ولا استخدامه في غير ما شرع له، وهو العبادة والسعي في الأرض بعمل الخير. ويحفظ الشرع الإسلامي نفس الإنسان وجسده ويكفل حماية عقله ودينه وعرضه وماله بما فيه من عقوبات زاجرة عن العدوان على هذه الضروريات في حياة الإنسان - جسداً وديناً وعقلاً ونفساً - في شريعة القصاص وفي الحدود التي تواجه جرائم الاعتداء على الدين والنفس والعرض والمال والشرف والاعتبار.

فالإرهاب إذًا عدو الأمن -أمن الفرد وأمن المجتمع- وعدوان على نعمة من نعم الله الجليلة على الإنسان، وهو إذا ظهر في مجتمع عطل طاقاته وأسلمه إلى التخلف، لأن الخائف لا يأمن إذا عمل أن يضيع عمله هباءًا فالأمن لازم لتقدم المجتمعالمسلم في دينه ودنياه.

لقد كانت الفتنة الكبرى في التاريخ الإسلامي بسبب الإرهاب، وأول المجتمعات التي عانت من الإرهاب هو المجتمع المسلم بالذات، قتل ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب غيلة وغدراً على يد مجوسي حاقد على الإسلام والمسلمين، وقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه على يد فئة خرجت على الشرع الإسلامي وانتهكت محارمه بقتل إمام المسلمين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، واقتتل المسلمون مع الخوارج الذين ناصبوا الخليفة علي بن أبي طالب العداء على الرغم من محاولته نصحهم وهدايتهم إلى الحق، وقتل هؤلاء الخوارج الإمام علياً وأوغلوا في دماء المسلمين، فكانت الفتنة الكبرى التي بدأت في القرن الأول الهجري ومازالت آثارها في العالم الإسلامي حتى اليوم، صنعها الخوارج وغذاها أعداء الإسلام والمسلمين خلال مسيرة التاريخ الإسلامي، حتى تفرقت الأمة الواحدة إلى شيع وأحزاب كلهم على ضلال إلا الفرقة الناجية التي تسير على ما كان عليه الرسول وأصحابه خيار السلف في هذه الأمة.

إن الإرهاب - وهو مرفوض في الإسلام رفضاً حاسماً - ينتسب من يمارسونه أحياناً إلى الإسلام، بل يتظاهرون بالغيرة على الدين وعلى حقوق المسلمين، وقد يتجاوزون الحد في اتهام المسلمين أفرادًا وجماعات بالمروق من الدين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وهكذا فعل أجدادهم من الخوارج حين اتهموا عليا رضي الله عنه بالخروج من الدين واستحلوا قتل إمام المسلمين بعد أن بايعه الناس، وبذلك وجهوا إرهابهم إلى المسلمين كافة وإلى أئمتهم خاصة. ولقد قاتلهم إمام المسلمين ليحفظ أمن المجتمع وحياة المسلمين حتى قضى على فلولهم، وهذا واجب كل إمام مسلم، لا سيما في هذا العصر الذي ينسب فيه غير المسلمين كل إرهاب وإخلال بأمن المجتمعات إلى فعل المسلمين أو توجيهات الإسلام، مع أن الشرع الإسلامي وتوجيهاته هي أقوم السبل في مواجهة جرائم الإرهاب.
لقد حفظ الإسلام أمن المجتمع المسلم إزاء المجتمعات الأخرى، فلم يشرع القتال إلا دفاعاً عن الدين والنفس وحفظ المجتمع من الفتنة، وأمر بطاعة أولي الأمر أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء، 59). ولا يجوز في الإسلام أن تخرج طائفة من الناس على أمن المجتمع وتهدد استقراره أو تنزع يدها من بيعة توجب الطاعة، بل لقد أمر الرسول صلوات الله عليه وسلامه بالطاعة حتى ولو ظهر في المجتمع ما يعد منكراً، ما دام يجري التصدي له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء والأمراء، أو بإنكار عامة الناس، وما دام المجتمع المسلم يتمتع بحقه في عبادة الله وحده، وتظهر فيه شعائر الإسلام، ويوجد فيه الحاكم المسلم الذي يحفظ الدين ويحمي أرض الإسلام ومصالح المسلمين، فلا خروج عن الطاعة من الفرد أو طائفة من الناس تروع الآمنين وتنشر الخوف والفزع بين المؤمنين. لقد ذكر الله الخارجين عن الطاعة، وجعلهم محاربين لله ورسوله، وحدد عقوبتهم بخسرانهم في دينهم ودنياهم. يقول تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (المائدة، 33).
وهكذا وضع الإسلام الإرهاب في عداد أعظم الجرائم: محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فساداً، وأوجب على ولي الأمر أن يتصدى له حفاظاً على الدين وعلى حياة المسلمين، ولا حق لفرد أو جماعة أن تدعي على الأفراد أو على المجتمع ولاية لا حق لها فيها ، وأن تكفر غيرها أو تقيم حدًا من حدود الله مع وجود الولاية الشرعية للحاكم المسلم، فالإسلام يقيم مجتمعاً آمناً مستقرًا بعيدًا عن كل ما يهدد الناس ويروعهم، ويصلح المجتمع إذا ظهر ما يعد منكرًا من فرد أو طائفة من الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإقامة حدود الله على يد الحاكم المسلم، وطبقاً لحكم الشرع، ولا مجال في الإسلام للخروج على المجتمع أو التسلط على الناس والإخلال بالأمن بحجة الغيرة على الدين أو الرغبة في الإصلاح، وهو ما يدعيه الإرهاب في هذا العصر، وأصحابه هم شر خلف لشر سلف في تاريخ الأمة الإسلامية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:05 am

مفهوم الثقافة
حظيت كلمة "الثقافة" بمكان كبير في الآداب الأوروبية في القرن العشرين ، وكان لها اهتمام لا بأس به في عالم الصحافة أيضاً، وهي كلمة عني بها البعض معنى "الحضارة". هذا الموضوع مازال يتطور وينمو ويأخذ أبعاداً وأشكالاً لم تكن موجودة من قبل وما زال يكتسب أبعاداً جديدة. ومع هذا التطور نسأل: هل الثقافة تعني أيضاً "المدنية"؟ وهل هي أيضاً "المعرفة"؟ في هذا المقال أحاول إلقاء الضوء على مفاهيم ومعاني الثقافة وتطورها.
تعريف الثقافة :
كان الشاعر ت. س. اليوت من اشهر من اهتم بموضوع الثقافة منذ بدايات القرن العشرين ومن أجل إدراك الثقافة وضع إليوت شروطاً ثلاثة إذا ما تحققت ، تم بها تحقيق الثقافة وهي: أولاً: البناء العضوي ، ويرى أنه يساعد على الانتقال الوراثي للثقافة داخل ثقافة ومجتمع معينين. ثانياً: القابيلة للتحليل: ويرى وجوب أن تكون الثقافة (من وجهة النظر الجغرافية) قابلة للتحليل إلى ثقافات محلية (البعد الإقليمي للثقافة). ثالثاً: التوازن بين الوحدة والتنوع في الدين. ويرى أن هذا الشرط مهم لأنه في الكثير من الثقافات لا يمكن إغفال أو تهميش عامل الدين. وفي هذا السياق أضاف آخرين إلى أن الثقافة سياسة وتربية.
وعندما أقدم بعض علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع على تعريف مفهوم الثقافة البشرية قالوا أنها سلوك تعلمي يكتسبه الأفراد كأعضاء في جماعات تعيش في المجتمع الواحد. في السبعينات من القرن التاسع عشر قدم عدد من علماء الأنثروبولوجيا أكثر من تعريف للثقافة وفي المحصلة أجمعوا على أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة ، والمعتقد ، والفن ، والخُلق ، والقانون ، والعادات الاجتماعية وأية إمكانيات اجتماعية أخرى بل وطبائع اكتسبها الإنسان كعضو في مجتمعه." وبعدئذ دأب هؤلاء على تقديم العديد من التحسينات والتباينات على هذا التعريف العام لمعنى الثقافة ، لكن الأهم هو أن الجميع اتفقوا على أن الثقافة هي سلوك تعلمي كثيراً ما يتناقض مع السلوك الموهوب تراثياً.
وانطلاقاً من واقع أن كل مجتمع إنساني يتمتع بمنظومة من السلوك الذي تحكمه معايير قد تختلف نسبياً من مجتمع إلى آخر حتى داخل الثقافة الواحدة (مثال ذلك الثقافة العربية ومن لها من ثقافات فرعية تحكمها عوامل قسرية مثل العوامل الإقليمية والجغرافية وربما ازدواجية اللغة كحالة الجزائر بين أصول بربرية وأخرى عربية) ، كما تحكمها معايير أخرى تؤدي إلى ألوان أخرى من المعرفة مثل (الاستعمار والهجرات والحروب وما إلى ذلكم من الأمور وربما ازدواجية اللغة مرة أخرى لكن هذه المرة نرى الازدواجية بين اللغتين الفرنسية والعربية في بلاد المغرب العربي) فانه يتم تآلف الأفراد مجتمعياً وتثاقفياً. ويتمتع الإنسان بمنظومة هذا السلوك منذ ميلاده بل ويتطور ذلك السلوك وينمو معه طالما ظل يعيش في ذلك المجتمع.
من هنا يمكن القول بأن الثقافة بهذا المفهوم تختلف عن الثقافة بالمفهوم الذي استخدم لوصف شخص مصقول صقلاً عالياً ، وله دراية بالموسيقى ، والأدب ، والفلسفة ، والسياسة ويجيد لغة عالمية إضافة إلى لغة أمه الأصلية ، بل وربما يتضمن أيضاً توجهات ثقافية أُخرى مشتركة مع الحياة المتحضرة من المعرفة بعالم الاتصال الحديث كالإنترنت وقريناته وما شابة ذلك.
ومن زاوية أخرى نرى أن الثقافة الإنسانية بمفهومها التقني تتضمن سمات للسلوك التافه والدنيوي اللازم للحياة اليومية مثل اللباقة الاجتماعية (وهذا ما يحب البعض أنْ يسميه ب الإتيكيت) ، وطباع و عادات الأكل ، وما إلى ذلك من فنون المجتمع المهذبة. وكما يمكن مناقشة أمر تفاهة مجتمعات محددة حول العالم ، وبناءً على ما تقدم فإنه يمكن اعتبار الثقافة مجموع كمي من المعرفة البشرية وسلوكها المكتسب ضمن الإطار الاجتماعي للفرد الواحد ، وهذا يؤدي بنا إلى التذكير بأنه يوجد كم من المعرفة لا تشترك فيه كل المجتمعات الإنسانية في أي وقت ولا يشترك فيه كل الأفراد في أي مجتمع ، أي أن هذا الكم المعرفي يكون مقصوراً على أفراد معينين في أوساط اجتماعية معينة وبالتالي فهم في أغلب الأحيان يشكلون كماً ضئيلاً في مجموعهم إلا أنهم جزء من الثقافة الإنسانية.
وفي هذا السياق يمكن أن نأخذ على سبيل المثال لا الحصر حرفة الزراعة أو حرفة صيد السمك فنرى أن كل منها تمثل جانباً مهماً من الثقافة الإنسانية الأُولى والمعاصرة أيضاً، وليس من التقاليد أن يشارك فيها الكثير من المجتمعات الطبيعية المنتجة الأخرى مثل مجتمعات الرعي والصيد البري (أدغال إفريقيا وغابات أمريكا اللاتينية واستراليا) ، وحياة البداوة والترحال (صحراء سيناء وصحاري السودان وصحارى المغرب العربي). فمن البديهي أن تتمتع الزراعة بجميع أنماطها بخصوصية تواجدها في الأراضي الخصبة ، كما أن صيد السمك لا يمكن أن يكون إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار.
ومثال أخر هو الطاقة النووية والصناعات الثقيلة التي هي الآن جزءٌ من الثقافة الإنسانية التي لا غنى عنها على الإطلاق، وهى في غالبها قاصرة على عدد محدود من المجتمعات مالكة الصناعة العالية. وإضافة إلى ذلك ، نرى أنه في هذه المجتمعات فقط يوجد عدد كامل من الجوانب التقنية مملوك لعدد صغير من العلماء والمهندسين وأصحاب رؤوس المال الهائلة.







عدل سابقا من قبل هيثم في السبت أكتوبر 15, 2011 6:16 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:07 am

انتقال الثقافة :
لكن قبل وبعد كل شيء تتكون المجتمعات الإنسانية من مجموعات منظمة من الأفراد هم غالباً من الجنسين ومن مختلف الأعمار ، ولهم منظومة من القواعد السلوكية التي تنتقل من جيل إلى جيل آخر. هذا الكلام ينسحب على مناح أخرى من الحياة حتى يصل إلى الكائنات غير الحية مثل العديد من الحيوانات ومن ضمنها ثدييات وحشرات ، فهذه لها أيضاً مجتمعات ، إلا أنّ طريقتها في نقل السلوك الاجتماعي تختلف في أساسها عن طرق المجتمعات البشرية تلك. الحشرات تنقل سلوكها الاجتماعي بالوراثة البيولوجية.
إنّ السلوك الاجتماعي لمعظم الثدييات ينتقل انتقالاً طبيعياً و رئيسياً بواسطة الجينات الوراثية ، ولكن أيضاً ، والى حدٍ أقل ، يتم ذلك السلوك بواسطة التداعي الاجتماعي ، أو بالتلقين. يمكن أن ترى أثر التعلم على الكلاب والقرود والدلافين البحرية ويصل الأمر بهذه الحيوانات إلى أن تفهم الإنسان وتتعامل معه وتستجيب لأوامره.
يتم تعلم السلوك الإنساني إما كلياً أو يتم تعديله تعديلاً جذرياً عن طريق التعلم الاجتماعي. وحتى هذه المناحي البيولوجية القوية ، أو الغرائز مثل الجنس والجوع يتم تعديلها وتطويرها بالثقافة ، فمثلاً يتم تقنين السلوك الجنسي عملياً باستخدام تعبيرات تعكس دلالات العيب الاجتماعي في كل المجتمعات الإنسانية taboo ، بل وربما يرفض الناس الجياع الطعام الذي ينتهك حرمتهم الدينية (ما يعتبر عيباً دينياً) مثل أكل لحوم الكلاب والقطط الشائع بين شعوب جنوب شرق أسيا، أو لحم الخنزير الشائع بين شعوب أوروبا وأمريكا اللاتينية ، أو ينتهك قوانين الحمية الغذائية ، أو ينتهك ما يعتبرونه بغيضاً لثقافتهم كأكل الضفادع والجراد وبعض الحشرات الأخرى.
ومن هنا يمكنني القول بأنه صار ممكناً ، في الأغلب ، اعتماد البشرية على السلوك التعليمي وذلك بمظاهر بيولوجية نادرة للإنسان بوصف هذا الإنسان نوعاً بيولوجياً. وحيث أن البدايات في أي أمر مهمة للنجاح ، نرى أن وجوب الاهتمام الشديد بدورة الحياة الطويلة نسبياً للطفل والفترة الممتدة لنموه ، وهى التي يكون خلالها الطفل البشري معتمداً على والديه ، ومتعلماً منهما ومن من حولهم من بالغين آخرين. وفي هذا المقام نرى أن من المهم تطوير قدرة الإنسان اللغوية لأنها تؤدي إلى التطور المعقد للدماغ ، والجهاز العصبي ، والحبال الصوتية ، والحنجرة ، وأجزاء الجهاز السمعي..


.






عدل سابقا من قبل هيثم في السبت أكتوبر 15, 2011 6:17 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:11 am

اللغة والثقافة :
في البداية دعني أقول أنه ليس هناك ما هو أهم من اللغة في تطوير الثقافة الإنسانية وهى ثقافة أصبحت بالغة التعقيد في الزمن الحاضر. بهذه اللغة تمكن بني البشر من استخدام الرموز وتطوير لخلق معان للحياة، وذلك يعني ، أن أصحاب اللغة تمكنوا من إسداء النعم ومن نقل المعاني عبر الأصوات و ترتيبات الأصوات إلى كلمات وجمل. وبعدئذ صار من الممكن تعليم العديد من الحيوانات أن يستجيبوا إلى اللغة ، ولكن فقط في صورة إشارات أو أصوات وليس كرموز حقيقة.
وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه يمكن تعليم قرد الشمبانزي أنْ يستخدم عدداً محدداً من الرموز في استجابة إلى أصوات وإيماءات معينة؛ لكن بني البشر فقط هم الذين يمكنهم الاتصال ببعضهم البعض باستخدام لغة نظامية. كل الثقافات الإنسانية تعتمد على اللغة ، وكل اللغات البشرية ، حتى لغات تلك الشعوب غير المتعلمة ، هي لغات معقدة بدرجة كافية لأن تقوم بنقل الثقافة الإنسانية باعتبارها كلاً متكاملاً. وكذلك الأمر فإن أي كانت لغة هي مرنة ومطواعة بدرجة كافية لكي تتمدد في مفرداتها وتراكيبها كلما صارت ثقافة المجتمع أكثر تعقيداً.
يكتسب الأطفال ثقافة مجتمعهم اكتساباً رئيسياً عن طريق اللغة. ومع ذلك ، فإن اللغة والثقافة ليستا ذات علاقة بتركيب الجينات أو الجنس البشري ، فمثلاً لو تربى طفل عربي في عائلة من أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة) أو كندا فهو سوف يكتسب ويتعلم و يتكلم نمط اللغة الإنجليزية لأمريكا الشمالية أو كندا بحسب الحالة ، وسوف يتصرف اجتماعياً وثقافياً مثلما يتصرف طفل شمال أمريكي أو كندي بحسب الحالة أيضاً. هذا الأمر يؤدي بنا إلى القول بأنه يمكن لأي شخص من أي جنس بشري أو نوع بيولوجي ، أن يتعلم لغة ما إذا ما عاش في كنفها، وبواسطة هذه اللغة يمكن أنْ يحقق الثقافة الإنسانية لتلك اللغة وأهلها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:29 am

تباينات الثقافية :
تتباين الثقافات الإنسانية تبايناً واسعاً في الأرض بل ويصل الاختلاف إلى أبعد حد بفعل عوامل إقليمية وجغرافية ودينية وطبقية. هناك تباين كبير بين مجتمعات وثقافات غابات الأمازون أو أواسط إفريقيا فتلك مجتمعات ما زالت بدائية ، وبين مجتمعات أخرى تتمتع بثقافات متحضرة بفعل التعليم مثل مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط ، ثم هناك مجتمعات أكثر تعلماً وتقنية و تحضراً مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا واليابان.
تباين هذه المفاهيم الثقافية يبدو لنا واضحاً جلياً في صورة عادات ومعتقدات اجتماعية يكون لها أحياناً صفة وبعد ديني ففي بعض المجتمعات عادةً ما يمارس الناس أُحادية الزواج (شريك أو شريكة عمر واحد أو واحدة كما في الزواج المسيحي الكاثوليكي) هذه العادة تم حمايتها بنظم وقوانين صارمة وضعتها الدولة وأشرفت عليها وعملت على حمايتها مثلما الأمر في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبقية أوروبا؛ وهناك مجتمعات أُخرى توجد فيها ثنائية الزواج (زوجان لامرأة واحدة في نفس الوقت) وهذا الأمر موجود في بعض دول أمريكا اللاتينية ، وفي حالة ثالثة توجد مجتمعات تجيز وتمارس تعددية الزواج (عدة زوجات)، كما في المجتمعات الإسلامية سواء عربية كالسعودية وغيرها ، أو إسلامية غير عربية مثل الباكستان وبنغلادش و أفغانستان وغيرهم.
وعلى ذكر الزوج والزوجات نقول أنه في بعض الثقافات يكثر التندر على أم الزوجة ويكون إطلاق النكات عليها أمراً شائعاً وهذا الحال متوافر في الثقافة العربية خاصة في مصر وبر الشام. في بعض المجتمعات يعتبر الأب قوي الشخصية إذا كان يتصرف كالطاغية مع أفراد أسرته. وفي مجتمعات أُخرى يعتبر الأب جيداً إذا كان حامياً للأسرة ومتسامحاً معها. والحالين متوافرين في ثقافة العرب المعاصرة وتحكم هذه الأمور ضوابط البيئة والمناخ العام للأسرة ونسبة التعليم فيها وما إلى ذلك.
ورغم التباين الهائل بين الثقافات الإنسانية حول العالم ، إلا أن هناك عموميات محددة موجودة في كل المجتمعات ، وهى تعكس ردود أفعال أساسية عن حاجات بني البشر. هذه العموميات تتضمن وسائل أولية للعيش والبقاء - وعلى سبيل المثال كما وسبق أن ذكرنا ، الصيد ، والزراعة ، والصناعة. يشكل بعض هذه العموميات للأسرة الأولية ؛ نظام من القربى ؛ مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي ؛ الدين ؛ ثقافة مادية (أدوات ، وأسلحة ، وملابس) و أنماط من الفن ؛ والعديد من المؤسسات الأُخرى التي تشير إلى التوجهات العامة في كل المجتمعات الإنسانية في اتجاه بيئات طبيعية متباينة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:30 am

أنماط الثقافة :
على أي حال فإن نموذج الثقافة عموماً يشير إلى مجموعة من المسالك الثقافية أو العناصر التي تشكل نظاماً متداخلاً على أكثر من صعيد ، فإذا ما بدئنا بأوائل سبل الحياة الأُولى نقول أن المحراث هو عنصر لنمط ثقافي يتكون أصلاً من المحراث ذاته ، والحيوان الأليف الذي يستخدم في سحب المحراث و محاصيل حبوب العالم القديم مثل القمح والشعير ، وحرث أراض أكبر في مساحتها من الحدائق ، واستخدام الأسمدة من روث الحيوانات الأليفة . جاءت الزراعة بالمحراث والعوامل المشتركة معها ، كنمط ثقافي ، جاءت من القرون الوسطى في حوالي 500 ق.م.
مثل هذا النمط الثقافي تواصل عبر الأيام ؛ فالزراعة تنتشر من ثقافة إلى أُخرى ، ويضاف إليها عناصر جديدة بين حين وآخر ، وهو ما نسميه بالتطور التقني للزراعة. اليوم تعرف زراعة المحراث كنمط ثقافي ، وقد تم دمج محاصيل باستخدام وسائل علمية عالية التقنية وباستخدام ونماذج جديدة من الأسمدة ، فنتج لنا أنواع أخرى من المحاصيل و الخضرة الأخرى. كل هذا يندرج تحت تسمية النمط الثقافي للمجتمع الواحد.
أحياناً يستخدم تعبير النمط الثقافي لكي يعني ترتيباً متجانساً للسلوك البشري ، والعادات الاجتماعية ، ومنظومة القيم المرتبطة بها وهى يلك القيم التي ستكون من خصائص المستقبل أو الحضارة . هناك علماء انثربيولوجيا ينظرون إلى الحضارات في سياق نمط الشخصية المهيمنة في أي حضارة وهى الشخصية التي تكون مفضلة عند كل ثقافة ، والذي يظهر في طبيعة المنظمات الاجتماعية ، وطرائق تعليم الأطفال و تدريبهم ، ومراسم العادات والتقاليد ، والقيم الدينية ، وما يتبع ذلك من وسائل تطبيق ذلك على الواقع العملي للحياة. هناك أنماط ثقافية تاريخية يمكننا المرور عليها بالذكر وذلك مثل بعض ثقافات الإغريق القديمة ، فقد كان منها ما هي ثقافة محمومة وعنيفة ومنها ما هي ثقافة منظمة وهادئة. الحكم هنا هو الزمان والمكان.

نسبية الثقافية :
العادات والسلوك التي تعتبر خطّاءةً في ثقافة ما ، قد تكون مقبولة كلياً أو ربما ممتدحة ومحببة في ثقافة أُخرى. غالبية علماء الأنثروبيولوجيا ينظرون إلى الثقافة الإنسانية نظرة نسبية [النسبية هي نظرية تقول بأن كل شيء في الدنيا نسبي وليس هناك شيئاً مطلقاً] ، والمفهوم بأن كل الثقافات هي نظم مرتبة ومن خلالها تكون التقاليد الاجتماعية والمؤسسات منطقية في معانيها الخاصة. وبهذا يمكن رؤية إيمان الهندوس بعدم أكل لحوم البقر وضمان معاملة خاصة للأبقار ، يمكن رؤيتها على أنها وظيفية ومنطقية ، هذا ليس فقط في إطار التقاليد الدينية للأبقار المقدسة ، ولكن أيضاً في سياق الفائدة المرجوة من البقرة كحيوان جر وكمصدر للروث من أجل التسميد والوقود. غالبية علماء الإنسان يقرون كذلك بأن الثقافات البشرية تتضمن في بعض الأحيان عادات وقيم مضادة للرفاهية الإنسانية.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هيثم
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1531
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    السبت أكتوبر 15, 2011 6:31 am

تحولات الثقافة :
يرتبط تحول الثقافة الإنسانية ارتباطاً وثيقاً بالتطور التكنولوجي ، وهو التحول الذي من خلاله قامت البشرية باستثمار البيئة بطرق معقدة تعقيداً كبيراً يتزايد يوماً بعد يوم ، ولنا في ذلك مثال في تاريخ تطور التكنولوجيا ، ففي القرن التاسع عشر قدم العديد من علماء الانثروبيولوجيا الرواد وعلماء الاجتماع ، نظرية تقول بأنه لا بد وأن تمر كل ثقافة إنسانية بمراحل محددة من التحول ، بل وقسم البعض هذا التطور إلى ثلاثة مراحل تتكون من التالي: مرحلة أساس (مرحلة الوحشية) ، عندما قام بني البشر بجمع البذور والحبوب ؛ وتبع ذلك مرحلة ثانية سموها (مرحلة البربرية) ، عندما قام بني البشر بزراعة الحبوب ، واستخدموا بعض الأدوات المعدنية من أجل ذلك، وعاشوا في مساكن دائمة ؛ وأخيراً ، مرحلة ثالثة عندما اهتموا بالحضارة التي بدأت بابتكار الحروف الصوتية والكتابة. علماء الانثروبيولوجيا وعلماء الآثار ، ومؤرخون لم يعودوا يعتقدون أن حضارات محددة هي بالضرورة تحقق تقدماً في مراحل ثابتة من التاريخ.
ومن الواضح أنّ مجتمعاً بسيطاً مكوناً من بضعة مئات من الأفراد في صحراء النقب أو سيناء مثلاً لا يمكن أن يطور بمفرده نظاماً اجتماعياً بمفردهم ودون الاختلاط بمجتمعات أخرى أو ثقافات أخرى ، بل ويمكن أن نقول بأن سكان العصر الحجري يمكنهم أن يسوقوا دراجات و سيارات وجرارات مباشرة ,ان يقوموا بإصلاحها عندما يتم تقديم تلك الماكينات إلى ثقافتهم. هذا الفهم الواضح لمعنى الثقافة جعل اليابان و من بعدها الصين ودول النمور الأسيوية ، جعلها قادرة على تغيير ذاتها من مجتمعات إقطاعية زراعية إلى مجتمعات صناعية متقدمة إلى أبعد الحدود. وبناءً على ما تقدم نقول أن الثقافة الإنسانية تنمو وتتعاظم ، وذلك يعني ، أنها يمكن أن تتمدد من مجتمع إلى آخر ضمن حدود البيئة الجغرافية وطبقاً لقدرة المجتمع على استيعاب أفكار جديدة ، والتعامل الإيجابي معها.

انتشار الثقافة :
تنتشر وتتطور عناصر الثقافة من مجتمع إلى مجتمع بالاتصال المباشر أو غير المباشر بين الأفراد و الجماعات أو الجماعات والجماعات ، وبعملية يمكن تسميتها بالانتشار. بعد أنْ وصل المستكشفون الأوروبيون إلى أقصى الشرق والى الأمريكيتين في القرن الخامس عشر ، استُعيرت استعارة واسعة عناصر ثقافية من قارات مختلفة في كل العالم. وجيء بمحاصيل زراعية جديدة من الأمازون إلى إفريقيا ، والعكس صحيح.
وضمن التطور المتواصل في وسائل الاتصال وسُبلْ السفر ، ازداد تبادل عناصر الثقافة ازدياداً مطردا. ومع ذلك مازالت هناك اختلافات ثقافية كبيرة قائمة ليس فقط بين بعض الأمم بل أيضاً بين مجموعات عرقية وأُخرى غير عرقية بحسب الإقليم. وعلاوة على ذلك ، لا تنتشر كل عناصر الثقافة بنفس السرعة والسهولة. يميل الأفراد إلى الأسهل والأيسر والأنجع بغض النظر عن الأصل.
ومع ذلك يكون النظام السياسي ، أو الديني ، نموذجاً مثالياً لما هو جميل وبالتالي يكون أكثر قدرة على الانتشار من الجوانب المادية للثقافة. الثورة الثقافية الاشتراكية التي قام بها في الصين ماو تسي تونغ ، بدأت في 1966، في محاولة لإعادة إحياء الغيرة والحس الثوري في الصين. في ذلك الحين نظم الطلبة الراديكاليون ودربوا الحرس الأحمر وسيروا المظاهرات وقادوا الشارع الصيني مراراً وتكراراً في الهجوم العنيف على "الأربعة القدماء" وهى: الأفكار القديمة ، والثقافة القديمة ، والقيم الاجتماعية القديمة ، والعادات القديمة. وخلال الحملة الشاملة على المثقفين وما هو مستجلب من خارج الصين مما أعتبر من الأشياء الأجنبية ، أُتهم هؤلاء بأنهم "عناصر قديمة" بحاجة إلى "إصلاح"، وأُجبروا على القيام بعمل سنوي وتم إذلالهم جماهيرياً في "مقابلات نضالية". وفي 1968 عندما صارت الصين على شفا حرب أهلية ، وذلك عندما حاربت الفصائل الراديكالية بعضها البعض ، تم عندها إلغاء الحرس الأحمر ، وتم إحضار الجيش ليفرض النظام بينما الثورة تتواصل. لقد دَمرت الثورة الثقافية مصداقية وأخلاق الحزب الشيوعي. وانتهت الثورة رسمياً في 1969 لكن العديد من وسائلها ظل متواصلاً حتى موت ماو تسي تونع في 1976. كانت تشيانغ تشنغ زوجة ماو تسي تونغ قائدة للثورة الثقافية التي انتهت بموت الآلاف من أبناء الشعب الصيني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
علي



عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 17/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة السياسية    الخميس أكتوبر 20, 2011 9:36 am

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الموسوعة السياسية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات القلمونة :: المنتديات العامه :: المنتدى السياسي-
انتقل الى: